قال الباحث في مجال الهجرة عبد الكريم بلكندوز، إن موقف المغرب تغير فيما يخص قبوله بترحيل مهاجريه من أوروبا، بعدما كان يرفض العملية في البداية، مشيرا إلى الضبابية التي تعتريه في التنفيذ لدى الرأي العام المحلي. 

وأوضح عبد الكريم بلكندوز في حواره مع جريدة بيان اليوم، أن المعلومات الخاصة بالترحيلات لا يستقيها المهتمون بمجال الهجرة إلا من الصحافة الأجنبية التي تتابع العملية عن كثب. 

ووقف بلكندوز عند استمرار المغرب، في رفض ترحيل المهاجرين الأفارقة من أوروبا إلى أراضيه بحجة أنهم عبروا من حدوده، داعيا الرباط إلى مزيد من التشديد في رفض المقترح الأوروبي. 

غير أنه بالرغم من رفض المغرب لتوقيع اتفاقية بهذا الشأن، سجل الباحث في مجال الهجرة، انضباط المغرب لإملاءات أوروبا فيما يخص سياسية الهجرة التي يشتغل بعقليتها، ويتجلى ذلك في الترحيلات التي تقوم بها السلطات المغربية للمواطنين الأفارقة من جنوب الصحراء سواء نحو بلدانهم، أو بإبعادهم عن الحدود المحاذية لأوروبا بشمال المملكة. 

وفيما يلي نص الحوار:

انتعشت مؤخرا ظاهرة الهجرة غير النظامية عبر المحيط الأطلسي وبالضبط من الداخلة والعيون إلى جزر الكناري، كيف تقرؤون هذا التحول في الهجرة من شمال المغرب إلى جنوبه؟ 

الملاحظ بصفة عامة هو أن الطرق تتبدل، حيث تستعمل شبكات تهريب البشر الطرق السهلة، من حيث التشديد الأمني، كما أن الهجرة عبر المحيط الأطلسي لا تنطلق فقط من مدن جنوب المغرب؛ سيدي إفني، العيون، الداخلة، بل أيضا، دولا إفريقية أخرى كموريتانيا، والسنغال..

وتعتبر الهجرة عبر المحيط الأطلسي تحديا للجغرافيا من قبل المهاجرين، لأن الأمر جد صعب، بحكم المسافة الطويلة بين المغرب وسواحل جزر الكناري، من تم تستغل شبكات الهجرة هذه الفئة بالكذب عليها، على اعتبار الأطلسي يختلف كليا عن البحر الأبيض المتوسط.

ويعود سبب الهجرة من هذه المناطق إلى تشديد الخناق على سواحل البحر الأبيض المتوسط، والأوضاع الأمنية المتوترة في ليبيا التي تعتبر بوابة للهجرة كذلك، ولقد زادت حدة الهجرة مؤخرا بفعل الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي أحدثتها جائحة كوفيد 19.

في الوقت الذي تستمر فيه الهجرة إلى جزر الكناري، تهتدي إسبانيا إلى ترحيل المهاجرين إلى المغرب، ما هي ملاحظاتكم حول العملية؟

أعتقد أن هذه النقطة رئيسية ومهمة في الموضوع، لاسيما وأنها تتعلق بالتغيير الواضح في موقف المغرب الذي أصبح يقبل بترحيل مواطنيه، وكأنه يعطي البرهان والدليل على أنه يأخذ بعين الاعتبار حاجيات أوروبا ومشاكلها، وهذا الأمر مخيف جدا.

كان المغرب في البداية يرفض عملية الترحيل، ولو أن هذا الموضوع غير متداول كثيرا، لأنه لا يتم بشكل شفاف ليعرف الرأي العام ما هي المساطر التي يسلكونها لتنفيذ العملية، باستثناء ما تنشره الصحافة الإسبانية التي تتطرق له في متابعاتها، بعدما تخصص السلطات الإسبانية أثناء إقلاع كل طائرة إلى المغرب، عددا معينا من المقاعد خاصة بالمهاجرين المرحيلن.

وبعدما ظل المغرب يرفض تطبيق بنود اتفاقية الترحيل الموقعة سنة 1992 مع إسبانيا لسنوات، أصبح يشتغل بها اليوم، وذلك مقابل تلقيه للإعانات المادية في إطار ما يسمى بالمسؤولية المشتركة.

صحيح أن مشكل الهجرة مطروح بين المغرب وأوروبا، لكنني أرى بأنه يمس إسبانيا على وجه التحديد، باعتبارها الجار الأوروبي القريب منه جغرافيا، واستراتيجيا (سبتة ومليلية المحتلتين، وجزر الكناري).

وهل بهذه الترحيلات يكون المغرب قد لعب دور "الدركي" الذي صرح ناصر بوريطة برفضه؟

هل يلعب دور الدركي؟، وما هو الاسم الذي سنطلقه عليه!، يطلق عليه هذا الاسم لأنه قبل بترحيل المغاربة، بل أيضا بعض الأجانب الذين مروا عبر ترابه، بالرغم من رفضه إلى اليوم توقيع اتفاقية مع الاتحاد الأوروبي لترحيل المهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء إلى أراضيه.

والمجتمع المدني والجمعيات الحقوقية غائبان نسبيا عن لعب دورهما في الاحتجاج على هذه الترحيلات، باستثناء البعض منهما، كما أن الصحافة لا تغطي الترحيلات بسبب التعتيم على المعلومة، إلى جانب عدم طرح أسئلة بالبرلمان للحديث حول الموضوع.

ويبقى مصدرنا الوحيد للوصول إلى خبر الترحيلات، هي وسائل الإعلام الأجنبية، أو بعض التصريحات التي تصدر عن بعض الفاعلين السياسيين الأوروبيين كالنواب، أو الجمعيات المهتمة بالموضوع.

ولا يمكن لأي بلد أن يرفض استقبال مواطنيه، ولكن السؤال هو؛ هل يتم الحفاظ على حقوقهم المكتسبة من لدن بلدان الترحيل؟، وهل يتم ذلك بدون الاعتداء عليهم؟، وهل مرت العملية تحت إشراف السلطات القضائية؟

في نظركم هل سيتجه المغرب إلى القبول بترحيل المهاجرين الأفارقة (من جنوب الصحراء) من أوروبا إلى أراضيه؟

لا يمكن للمغرب القبول بالطرح الأوروبي لترحيل المهاجرين الأفارقة من جنوب الصحراء إلى أراضيه، لعدة اعتبارات، من بينها المصلحة الوطنية، والعلاقات الجيو-استراتيجية التي تربطه بالدول الإفريقية، إلى جانب ملف الصحراء المغربية باعتبارها القضية الأولى للمغرب، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى، في حال قبول المغرب التوقيع على هذه الاتفاقية، ستتعرض صورته الحقوقية للخدش، ومن تم سيدمر كل ما بناه لسنوات، لهذا نجده متشددا في مناقشة هذا الطرح مع الجانب الأوروبي، ويجب أن يبقى كذلك ولا يرضخ لنهج أوروبا في ملف الهجرة، وجميعات المجتمع المدني مطالبة بدعم هذا الطرح المغربي.

وبالرغم من ذلك، لا زالت أوروبا تناور ليقبل المغرب بترحيل المهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء، في حال رغب في الاستفادة من الدعم المادي، إلى جانب ابتزازه بملف المنتوجات الزراعية التي يصدرها نحو دول الاتحاد، ثم موضوع التأشيرات لفائدة مواطنيه..

غير أنه بالرغم من رفض المغرب لهذا التوجه، نجده يشتغل بعقلية السياسية الأوروبية، وينفذ بعض الإجراءات، من قبيل ترحيل بعض المهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء إلى بلدانهم، وتنقيل البعض الآخر من شمال المغرب إلى جنوبه، وهذه الإجراءات تندرج في إطار المنطق الأمني لتدبير الملف ليس إلا.

ولقد سجلت مجموعة من التنقيلات داخل المغرب حتى خلال فترة الحجر الصحي بسبب كوفيد 19، بدعوى الحفاظ على أمن المهاجرين من المغامرة بخطوة الهجرة من المنطلق الإنساني.

ولقد زار بعض مسؤولي الاتحاد الأوروبي المغرب خلال نهاية سنة 2020، وعقدوا اجتماعات مع وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، ووزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، وعادوا لطرح مسألة التوقيع على الاتفاقية الخاصة بإرجاع المهاجرين ككل بما فيهم المهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء والمغاربيين إلى المغرب.

وإذا قبل المغرب بترحيلهم، فأكيد أنه سيصبح في حاجة إلى بناء مراكز استقبال، كما أنه مطالب بتوقيع اتفاقيات مع الدول الإفريقية والمغاربية لتنقيلهم مرة أخرى، وسيصبح في حاجة إلى إقناع هذه الدول بضرورة استقبال مهاجريها.

والأخطر من ذلك، هو اتجاه أوروبا نحو ترحيل المهاجرين القانونيين الذين قد يصبحوا غير قانونيين بسبب فقدانهم لعملهم أثناء الأزمات الاقتصادية أو الصحية، وهو ما سيصعب عليهم إيجاد طريقة قانونية لتجديد إقامتهم، ووقتها سيكونون عرضة للترحيل.

واستنادا إلى كل ما سبق، فإن تصريح ناصر بوريطة، يمكن إدراجه في هذا الإطار، باعتباره مطلعا على الملف بشكل جيد، لهذا فرده شمولي على أوروبا برفض المغرب لعب دور "الدركي".

ولدى المغرب اتفاقيات مع دول إفريقية حول حرية التنقل كالسنغال، ومالي، وغينيا،و كوت ديفوار.. حيث لا يحتاج مواطنوها إلى التأشيرة، ولكن خلال السنوات الأخيرة، أصبحت مصالح وزارة الخارجية المغربية تطلب الإذن المسبق لهم، وهو ما يمكن اعتباره تأشيرة بشكل ضمني.

ويدخل هذا الإجراء، ضمن الحد من تنقل المواطنين من إفريقيا جنوب الصحراء نحو المغرب، لأن أوروبا تعتبر تحركاتهم بالقرب من حدودها تهديدا وخطرا عليها، وهذه السياسة تخدم أوروبا التي تسعى إلى جعل حدودها بجنوب القارة، إلى جانب عدم منح التأشيرة لفائدة المواطنين الأفارقة من جنوب الصحراء، فضلا عن وضع قوانين صارمة بدول العبور من أجل إبعادهم، والحد من تحركاتهم.

ونجد في هذا الإطار، القانون رقم 02.03 "المتعلق بدخول وإقامة الأجانب بالمملكة المغربية وبالهجرة غير المشروعة"، والذي لم يتغير بعد، حيث كان من المفترض أن يتم تعديله، ليتماشى والسياسة الجديدة للهجرة واللجوء التي أعطى انطلاقتها جلالة الملك محمد السادس خلال شتنبر 2013، إلى جانب المواثيق الدولية المصادق عليها، للاعتراف بحقوق الأجانب وجعل تسوية أوضاعهم الإدارية بشكل دائم، من أجل أن يستفيدوا من الشغل، والتطبيب، والتعليم، والسكن.

ولماذا لم يطرأ على القانون 02.03 أي تغيير؟

في اعتقادي سبب التغاضي عن تغيير هذا القانون، يعود إلى الصلاحيات التي يمنحها لفائدة السلطات المغربية من أجل ممارسة عملية الترحيلات والتنقيلات، بحجة حماية المهاجرين من الخطر.

وفي سياق متصل، نسجل غياب قانون اللجوء، بالرغم من توقيع المغرب لاتفاقية جنيف منذ عهد الاستقلال، حيث لا نجد المسطرة الخاصة بمعايير الحصول على وضعية لاجئ، وهذه معطيات مهمة لفهم تدبير المغرب لملف الهجرة في علاقته مع الاتحاد الأوربي.

ولدى أوروبا أيضا، اتفاقيات مع بلدان الجنوب، خاصة بإرجاع مواطنيها، في إطار غلق الأبواب على نفسها، لهذا بتنا نجد الحدود الأوروبية في المغرب وغينيا والسنغال، فضلا عن خلق مديريات بهذه الدول لتشديد المراقبة على تحرك المهاجرين خارج الحدود (البرية والجوية..).

وتسعى جميع الدول الأوروبية إلى توقيع اتفاقيات مع المغرب، من أجل ترحيل القاصرين غير المصحوبين، ولقد تمكنت فرنسا من انتزاع موافقة المغرب، بعدما زار وزير الداخلية الفرنسي الرباط، وحل وزير العدل الفرنسي في دجنبر الماضي، ووقع اتفاقية بهذا الشأن مع نظيره المغربي، إذ لم يتم تقديم معطيات وافية حول الموضوع.

ونلاحظ بصفة عامة بأن البرلمان لا يهتم بالموضوع، ماعدا بعض البرلمانيين الذين لا تزودهم الحكومة بالوثائق المطلوبة للاطلاع على الملف، أثناء المناقشات التي تتم بلجن الداخلية والعدل والخارجية بمجلس النواب، ونحن من جهتنا لا نحصل على تفاصيل هذه الاتفاقيات إلا من الجانب الأوروبي كما سبق وأن ذكرت.

وللتوضيح أكثر، فإن مثل هذه الاتفاقيات لم يعد يوقع عليها بشكل معلن، كما أصبح يطلق عليها أسماء أخرى مثل؛ بروتوكول، مذكرة.. أو يتم التعاقد بشكل شفوي في بعض الأحيان لتجنب المتابعة والإحراج من قبل الرأي العام المحلي.

بخلاصة، الاتحاد الأوروبي همه الوحيد هو ترحيل المهاجرين كيفما كانت وضعيتهم بما فيهم المحميين بالمواثيق الدولية، مقابل فتحهم باب الهجرة بين الفينة والأخرى، لفئة قليلة للاشتغال في المجال الفلاحي أو السياحي (قبل كوفيد 19 على الخصوص).

واليوم، الأبواب الأوروبية مفتوحة في وجه الكفاءات فقط، أو ما يسمى بهجرة العقول بين مزدوجتين، أي الأطباء، والممرضين، والمهندسين، ومن هنا تحول المغرب إلى بلد يكون ويصدر هذه الطاقات لتستفيد منها أوروبا، بدون مقابل. 

ومن أجل الحد من الهجرة وجعلها أكثر انتقائية، تهتدي أوروبا وبعض المسؤولين المغاربة (ANAPEC ومجلس الجالية المغربية بالخارج على الخصوص) إلى ترويج بعض المصطلحات والأسماء، من قبيل تغيير مفهوم "الهجرة" بـ "الحركية"، و"هجرة العقول" بـ "حركية الكفاءات"، وكل هذا بهدف أن يغلف ملف الهجرة بالغطاء الحداثي، ولكن مضمونه الصحيح هو تشديد الخناق على الهجرة.

ووضع الاتحاد الأوروبي مؤخرا ميثاقا للهجرة واللجوء في شتنبر 2020، من أجل مزيد من التشديد، أولا؛ لكي لا يستطيع المهاجرون الوصول إلى أوروبا وليظلوا جميعهم بدول الجنوب، وثانيا؛ لتنفيذ عملية الترحيل في حق المهاجرين الذين لا يرغبون فيهم لعدة أسباب.

ولقد أصبح موضوع الهجرة يستغل سياسيا أثناء الانتخابات الرئاسية والتشريعية والبلدية من قبل جميع الأحزاب الأوروبية، مساهمين بذلك في انتشار الأفكار العنصرية المتطرفة في حق المهاجرين.

أخيرا، ما هو تقييمكم لتدبير ملف الهجرة من قبل المغرب؟

المغرب اليوم في حاجة إلى أن يحين قوانينه، من أجل منح الإقامة الدائمة للمهاجرين، وكذا السماح لهم بإنشاء جمعيات، فأكيد أن بعض الجمعيات تتوفر على رخصة من قبل وزارة الداخلية، لكن تحت أي غطاء قانوني؟

ولا أدري لماذا الحكومة، لا تتطرق إلى كل المشاكل الخاصة بشؤون الهجرة، حيث يغيب النقاش في المغرب عندما نجده في الدول الأوروبية، ففي الوقت الذي يكون النقاش بالاتحاد الأوروبي يجب أن يكون رد الفعل في المغرب، عوض ترك الأمور مفتوحة لباب التأويلات، لأننا لا نعرف من المكلف بملف الهجرة داخليا.

وحينما يقول البعض بأن وزارة الداخلية هي المسؤولة عن تدبير ملف الهجرة، تجيب بأنها مكلفة بالشق الأمني فقط، مما يجعل مسؤولية تدبير ملف الهجرة على مستوى الصحة، والتعليم، والاندماج غائبا لدى الحكومة.

ولحد الآن سياسة ملف الهجرة غير موجودة لدى الحكومة الحالية، إذ أن الاجتماعات التي كانت تعقد برئاسة رئيس الحكومة، لم تعد تجتمع، بالرغم من أنها كانت تخصص فقط إلى موضوع استقبال المغاربة المقيمين بالخارج، وهو ما يدل على أنها لا تتحدث عن المواضيع الأخرى كالترحيلات، وسياسة إدماج المهاجرين، وتغيير القوانين..

وللإشارة فإن الأوروبيين يعدون دراسات خاصة بهم حول الموضوع، انطلاقا من توجه معين يلبي حاجياتهم، في حين المرصد الوطني للهجرة بالمغرب غير مفعل تماما، لأنه لا يتوفر على مقر، وبرنامج عمل، وميزانية خاصة، وباحثين في المجال، ولا يحتضن النقابيين وهيئات المجتمع المدني المهتمة بالموضوع.

وإذا كان المغرب استطاع ترسيخ ريادته في ملف الهجرة بالاتحاد الإفريقي فإنه مطالب بالمزيد من الاشتغال على هذا الملف وجعله أكثر وضوحا، بدل تغييبه وتضييعه بين الوزارات، ذلك أننا لا نعرف من المسؤول عن هذا الملف بشكل فعلي. 

نوافذ:
بتنا نجد الحدود الأوروبية في المغرب وغينيا والسنغال لتشديد المراقبة على تحرك المهاجرين

لا يمكن للمغرب القبول بالطرح الأوروبي لترحيل المهاجرين الأفارقة من جنوب الصحراء إلى أراضيه

لا نعرف من المكلف بملف الهجرة في المغرب



 
Top