أكد عبد الحميد الجمري، الخبير المغربي في هيئة الأمم المتحدة، أن الهجرة المغربية كانت عمالية سابقا، بيد أنها تحولت اليوم، مع التطور، الذي حققه المغاربة، على مستوى الخبرات واكتساب المهارات العلمية، إلى هجرة أدمغة.

وقال الجمري، في حديث إلى "المغربية"، إن أن المغرب يعيش فترة تحولات عميقة وكبيرة على جميع الأصعدة، وهذا ما تطلب توجيه الدعوة إلى كل الكفاءات المغربية المقيمة في الخارج، للمساهمة في بناء المغرب الجديد والحداثي، عن طريق جلب خبراتهم وأفكارهم ومشاريعهم وجعلها رهن إشارة الوطن.

وأبرز الخبير الأممي أن برنامج "فينكوم"، الذي أعطيت انطلاقته أخيرا في الدار البيضاء، يشكل فضاء يمكن للكفاءات المغربية المهاجرة من التواصل وإبداء رأيها، وأيضا وضع خبراتها وتسخير معارفها ليستفيد منها المغرب في مواجهة كل أنواع التحديات، ومسايرة وتيرة التقدم العالمية السريعة.

وقال الجمري إنه بحكم مهمته كخبير في هيئة الأمم المتحدة، ومفوض سام في حقوق الإنسان، ونائب رئيس لجنة حماية حقوق الإنسان وعائلاتهم عبر العالم، فإنه يعمل على حث الدول الموقعة على اتفاقية حقوق العمال المهاجرين على تطبيق بنودها، والعمل على تفعيل وتطبيق القوانين الجاري بها العمل عالميا، لإزاحة الحيف والميز العنصري، وعدم المساواة، والإقصاء، وتوفير شروط العيش الكريم لكل المهاجرين عبر العالم. 

* هل يمكن أن تحدثونا عن مجالات عملكم، بصفتكم خبيرا في هيئة الأمم المتحدة، ومدى اهتمامكم بالمهاجر المغربي؟ 

- أشتغل على الصعيد العالمي، واهتم بقضايا المهاجر من خلال مهمتي كخبير في هيئة الأمم المتحدة، ومفوض سام لحقوق الإنسان، ونائب رئيس اللجنة من أجل حماية حقوق كل العمال المهاجرين وعائلاتهم عبر العالم. جرى انتخابي في هذه اللجنة، للعمل أولا من أجل البحث في تقارير الدول المنخرطة في اتفاقية حماية حقوق المهاجرين، إذ تتابع اللجنة ما إذا جرى تقديم هذه التقارير بشكل منتظم ومستمر، كما تثير اللجنة نقاشا مع هذه الدول للخروج بمجموعة من التوصيات، وحثها على احترام حقوق العمال المهاجرين، سواء من أبنائها في الخارج، أو المهاجرين الموجودين في بلدها. وتكمن المهمة الثانية للجنة، والتي لها علاقة بارتفاع وتيرة الهجرة عبر العالم يوما عن يوم، في الاهتمام بحقوق العمال المهاجرين بصفة عامة، إذ تعمل وفق برنامج توعية وتحسيس، حول المشاكل التي يواجهها هؤلاء العمال المهاجرين على الصعيد العالمي. هناك مهمة ثالثة لم تصادق عليها بعد جميع الدول المنخرطة في الاتفاقية، وتهم البحث في الشكاوى التي ترفعها دول ضد أخرى بخصوص قضايا العمال المهاجرين عبر العالم.

أما في ما يتعلق بمغاربة العالم، فإنهم بدورهم يعانون مشاكل، أهمها عدم اعتبارهم كمواطنين كاملي الحقوق في بلد الإقامة، ويطالبون كذلك من الحكومة المغربية التدخل لمساعدتهم في حل العديد من مشاكلهم. 

* ماذا عن مشاركتك في منتدى 

- مشاركتي ليست جديدة، بل إنني ساهمت في تأسيس البرنامج منذ البداية، إذ عملت إلى جانب فاعلين آخرين، على بلورته وتكوين شراكات لفائدته، وأثناء حضوري في الندوة الرسمية لانطلاق "فينكوم"، سجلت الكثير من الإيجابيات، منها أن أشغال الورشات توجت بنتائج جيدة، تنذر بنجاح المبادرة، وربط اتصال قوي بين الكفاءات المغربية المقيمة في الخارج، وإشراكها في الورشة التنموية الكبرى للمغرب. وأرى أن في هذه الشراكات بين هيئات وطنية، بما فيها الدولة، ومؤسسات القطاع العمومي والخاص، حافز لخلق ديناميكية أكبر في العلاقات بين الكفاءات والخبرات المغربية المهاجرة ووطنهم الأم. كما أنها قيمة مضافة، يعتمد عليها في التأسيس لمجتمع متطور. ويؤكد ذلك أهمية ومكانة الفاعلين، بما فيهم الوكالة الوطنية لإنعاش الشغل وتوظيف الكفاءات، والجمعية المغربية للبحث التنموي، والمركز الوطني للبحث العلمي والتقني، ومجلس التوجيه الخاص بالمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، والاتحاد العام للشغالين بالمغرب، إضافة إلى أكاديمية الحسن الثاني للعلوم والتقنيات وصندوق الإيداع والتدبير.

ونجاح لقاء هذه الفعاليات والكفاءات المغربية المقيمة في الخارج، التي حضرت المنتدى، يبرز اقتناع الجميع بأن برنامج "فينكوم" سيمكن من ملء الفراغ الحاصل على مستوى الاستفادة من هذه الكفاءات. 

سابقا، كانت الهجرة المغربية عمالية، أما اليوم، مع التطور الذي حققه المغاربة على مستوى الخبرات واكتساب المهارات العلمية، أضحت هجرة المغاربة، هجرة أدمغة، أي أنها تشبه في تركيبتها، المجتمعات التي تتجه إليها، فبالنسبة إلى أوروبا، المنطقة التي شملتها الهجرة المغربية منذ زمن بعيد، نجد المغاربة في هذه البلدان يمثلون جميع الفئات الاجتماعية، من عمال، وأطر متوسطة وكبيرة، إضافة إلى خبراء من مستوى عال جدا، يشتغلون في مجال البحث العلمي، ومنهم أيضا من يحتلون مناصب سياسية عالية كمنتخبين أو منخرطين في أحزاب مختلفة، بل هناك من أصبح يشغل منصب وزير، ما يؤكد أنهم طاقات مهمة، وفئة يمكن أن تلعب دورا فاعلا بإشراكها في ورشة بناء المغرب المتطور.

كان المغرب يعتبر الهجرة إحدى أسباب تنظيم سوق العمل، نظرا لتفشي ظاهرة البطالة، وقلة فرص الشغل مقارنة مع ارتفاع عدد حاملي الشهادات المتخرجين سنويا من الجامعات والمعاهد الكبرى، هكذا كان عدد من الشباب المتخرج يلجأ إلى الهجرة كأداة لحل المشاكل الاقتصادية الشخصية، واليوم، ما زالت المشكلة تطرح بالشكل نفسه، إذ هناك عدد من الأدمغة المغربية الحاملة لشهادات عليا، تهاجر بحثا عن فرصة عمل، والتغيير الحاصل حاليا، هو حاجة الوطن الملحة إلى طاقاته المهاجرة، بشكل دائم ومنتظم، للمساهمة في أوراش التنمية المفتوحة على جميع الأصعدة، بما فيها المستوى الاجتماعي، والاقتصادي، وأيضا السياسي، المتمثل في ترسيخ الديمقراطية ودعم دولة الحق والقانون. الخصاص في الكفاءات والخبرات مشكل كبير، إذ هناك مشاريع تنموية مهمة، تواجهها معضلة الموارد البشرية، ما يستدعي استعمال أنجع الطرف لجلب هذه الكفاءات والخبرات، وإشراكها في بناء مغرب الغد. 

* يقول عدد من المهاجرين إنهم يصطدمون بعقليات وواقع غير مرضيين، في بعض الإدارات المغربية، مما يجعلهم يفكرون في العودة مرة أخرى إلى مقر إقامتهم بديار المهجر، وعدم مواصلة مشاريعهم. كيف تنظرون إلى هذا الوضع؟ 


- عندما يقرر مغربي المساهمة في المشروع التنموي الوطني الكبير، فعليه أن يتقبل المغرب كما هو، ويجب أن يعلم أن هناك أشياء كثيرة جديدة حدثت، وتحدث على أصعدة متنوعة. اليوم أصبحنا نتكلم بصراحة عن عيوبنا، ونعترف بأخطائنا، وهذه أعتبرها خطوة أولى جد إيجابية نحو التقدم، لأنه بوضع الأصبع على الداء، يجري البحث عن الدواء والإسراع في التوصل إلى المعالجة. اليوم أصبح أمرا عاديا الحديث عن مدن الصفيح والفقراء، كما نعرف عدد المعوقين والمشاكل التي يتخبطون فيها، ولا نخفي كم لدينا من المعطلين. هناك اعتراف رسمي بكل هذه العيوب, وهذا أعتبره أمرا حسنا وواقع حي، ومن الضروري أن يتعامل العمال المغاربة معه كما هو ومحاولة تغييره إلى ما هو أفيد.

في ما يخص قضية العقليات، فإن "فينكوم" يتجه إلى نخبة من الجالية المغربية المقيمة بالخارج، وليس إلى العمال المهاجرين بصفة عامة، وهذه النخبة جد واعية بمستوى مغرب اليوم، كما أنها على علم بالمشاكل المجتمعية وبما يقع في الشارع المغربي، لذلك يجب أن نتعامل معها بإيجابية.

أظن أنه مع برنامج "فينكوم" لن تطرح مشاكل من هذا النوع، إذ أن الخبرات المغربية المطلوبة مشاركتها في بناء مجتمع حداثي، حتما ستتقبل الوضع كما هو، بل أكثر من ذلك، عليها الاجتهاد والعمل على تصحيح مثل هذه الأمور.

يجب الإشارة إلى أن الإشكالية تطرح بحدة على مستوى المقاولة المغربية، التي لم يجر إدماجها بعد في البحث العلمي التنموي. المقاولات المغربية لا تنظم شراكات مع جامعات أو مختبرات أو معاهد عليا للبحث والدراسات المختصة، إضافة إلى أن أغلبها يجري إنشاءه وتدبيره بعقلية تحكم فيها النزعة العشائرية (العائلة)، ولا يعتمد على الطرق الحديثة في التسيير التي تستند على تدبير علمي وعملي للمقاولة، على اعتبار أنها الطريقة المثلى لجعلها أكثر إنتاجية.

برنامج "فينكوم" يتطرق لهذه المسألة، لأنه يحتوي على مجموعة برامج بيداغوجية، تحاول تقريب المفاهيم، وإيجاد حلول لإشكالية العقليات. ويساعد حضور الخبراء المغاربة من الخارج، على تبديد تعقيدات العقليات الجامدة والمتصلبة، وتليينها للتعامل مع التطور العلمي، الذي يعيشه العالم، ويمكن أن يخلق انسجام بين هذه الكفاءات والكفاءات المغربية داخل الوطن لتمارس تأثيرها بشدة. 

* ما هي طبيعة المشاكل التي تطرح أكثر، وهل تدخلكم يكون في اقتراح الحلول أم فرض تطبيقها؟ 

- هناك مشاكل أساسية تهم حقوق المهاجرين كعمال، خاصة في البلدان، التي لا تكون فيها مساواة، كالإقصاء الاجتماعي، وتفاوت الأجور، وعدم التمتع بالحقوق نفسها، التي يتمتع بها أبناء البلد المستقبل، إضافة إلى إشكالية العنصرية والتمييز بين الرجل والمرأة، ومشاكل العلاقة مع البلد الأصل. هناك مسألة توعية المهاجر حول الدور المهم الذي يمكن أن يلعبه في بلد الإقامة، على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، عن طريق المشاركة في الانتخابات والحياة السياسية بصفة عامة. ويجب الحديث كذلك عما يتعرض إليه الأطفال من صعوبات، مثل عدم قبولهم في المدارس التعليمية الرسمية، التي يدرس فيها أطفال البلد المستقبل. وتتضمن التقارير التي تنجزها اللجنة إشارات كذلك إلى مشاكل التجمع العائلي، وتهريب الأشخاص عن طريق الهجرة السرية، ومجموعة من الملفات الأخرى.

يمكن للجنة أن تملي توصيات وتصر على التزام الدول الموقعة على اتفاقية حماية حقوق المهاجرين بتطبيقها، ويمكن أن تهم هذه التوصيات مجالات عدة، منها التربوي والقانوني والقضائي، إذ يمكن حث بعض البلدان على تغيير قوانينها في ما يخص الهجرة والمهاجرين، خاصة إذا لم تكن مطابقة لما هو جار به العمل على المستوى العالمي. اللجنة من أجل حماية حقوق كل العمال المهاجرين وعائلاتهم عبر العالم، لها صلاحية إصدار اقتراحات تهم السياسات العامة الخاصة بالهجرة والعائلة والزواج، وضمان السكن اللائق وفرص الشغل. 

* هل لديكم تصور حول التغيرات التي يعيشها المغرب حاليا، نتيجة الأوراش الكبرى المفتوحة والهادفة إلى بناء مجتمع متقدم وحداثي؟

- المغرب في نظري لا يقارن، لأن المغرب هو المغرب، إنما هناك فعلا تحولات جذرية، خاصة على المستوى السياسي، وتترجم في المفهوم الجديد للسلطة، والذي سطر إطارا عاما للحياة السياسية، بعد ما أعطى خطوطها العريضة جلالة الملك محمد السادس سنة 1999 في خطاب الدار البيضاء، والذي حدد فيه مفهوم السلطة اليوم، ومكن من الخروج من فترة الاصطدام التي كانت سائدة بين المجتمع المدني والدولة، إلا أنه يجب العمل على تفعيله وتطبيقه، وأن لا يبقى حبيس الرفوف وحبرا على ورق. صحيح أنه لا يمكن المسك بعصا سحرية، وفرضه بين عشية وضحاها، إنما يجب الاهتمام به وجعله أكثر مرونة وديناميكية، ولتحقيق ذلك يجب توعية الناس، خاصة بعض الساهرين على الإدارة المغربية، ولا يجب أن يكون هناك رفض أو تخوف من التغيير، بل يجب تحريك كل مسبباته، وتحدي العوائق التي تضعها المجموعة الرافضة له، لشعورها بأنه لا يخدم مصالحها الذاتية، فتفضل المغرب في صورته القديمة، رافضة التجديد.

ولكن نبقى متفائلين لوجود عقلية مكافحة ضد التخلف، ومع فتح أبواب التقدم والحداثة أمام مغرب الألفية الثالثة، سواء في القطاع العمومي أو الخاص، والتي ترجمت جهودها في المجال الاقتصادي، عن طريق مجموعة من المشاريع والأوراش الكبرى، في كل المناطق والأمصار، ما يبشر بالخير الكثير. وعلى الإدارة المغربية إعادة النظر في ما تتوفر عليه من موارد بشرية، وأن يعمل الفاعلون، كل حسب مجال اختصاصه، بدراسات شاملة ومدققة حول معضلات اجتماعية، لمعرفة مسبباتها وطرق معالجتها، مثل كيفية استغلال الطاقات البشرية، وملاءمة تكوينها واختصاصها مع ما يخدم الوطن، وبحث إشكالية الهجرة، ومحاولة معرفة مسببات آفة الفقر الذي تزداد حدته يوما عن يوم، خاصة مع ما تعيشه البوادي من أزمات إثر الجفاف وانعدام فرص العمل.

ويمكن أن نخلص إلى القول إن هناك جهودا تبذل على جميع المستويات والأصعدة، من أجل بناء مغرب الغد الجديد، إلا أننا في حاجة إلى المزيد، خاصة في ما يتعلق بإشراك الجميع في المبادرات الهادفة إلى تحقيق ذلك. 



 
Top