ماذا يعني أن تحَمل الوطن ليس في حقائبك فحسب، كما شاع التعبير السائد، بل وأيضا في كلّ مسام روحك وجسدك وانتمائك، وتجوب به الأرض في ثمانين حبّ، تقسم ارتباطك بينه وبين كل بقعة أرضية أخرى قد تمنحك ما لم يمنحك إياه. وقد تخولك من فرص حياة ما لا يستطيع هو أن يخولك، فيعرض عنك حين تولي وجهك شطره، في حين تصرخ في وجهك أرض مهجرك التي لم تمنحها إلا شطر الحب: تلك قِسمةُ ضِيزى؟ 

أهي رحلة ذهاب بلا إياب عند سدّ الأبواب وإتلاف الأقفال؟ دولة بحجم المغرب، مثلما تفضح قطرات مطر قليلة بنياتها التحتية التي تغرق في شبر ماء، فضح بنيةَ إنسانيتها فيروسٌ صغير أصغر من ذرة تراب فيه، فمنع عودة الموتى من أبنائه المغتربين إليه والذين اختاروا أن يضمّهم قبر فيه، ومنع عودة الأحياء إلى بلدان إقاماتهم الدائمة خاصة بلجيكا وهولندا، رغم مناشدات هيئاتها السياسية والدبلوماسية بضرورة إرجاعهم إلى بلدانهم الأكثر دراية بوضعهم والمتحمّلة لنتائجه، والتي سيكون أهمها فرض حجر زمني معين عليهم، هو نفس ما تخضع له كل شعوبهم. إصرار المغرب بكل وزاراته ومجالسه ومؤسساته وأحزابه على سد الطريق أمام عودة مغاربة خارج الحدود “الرهائن” لديه، بكل ما تحمله الكلمة من معنى، خرق للاتفاقيات الدولية المتعلقة بإقامة الأفراد والأشخاص وحرية تنقلهم، وانتقاص من إمكانيات دول إقامة قسم كبير من شعبه بسبب حسابات سياسية ضيقة حتى وإن غلفها بمسوغ “ظروف كورونا الاستثنائية”.

كان حريّا بالمغرب أن يكون سبّاقا إلى استقدام أبنائه المقيمين على أرضه الذين تفرقوا في البلدان لأسباب سياحية أو علاجية أو غيرها، وأبنائه المشردين على بعد أمتار من أسلاك حدوده مع سبتة ومليلية المحتلتين، وذلك لأسباب كثيرة أهمها قربه الجغرافي من أوروبا، وعلاقاته التقليدية القديمة معها. لكن إصرار المسؤولين في الرباط على مواقف غير منطقة وغير مبررة لاستقبال أبنائه العالقين على موانئه ومطاراته، وخاصة عدم سماحه لمغاربة بلجيكا وهولندا بالعودة إلى بلدان إقاماتهم، سيجعله في وضع دبلوماسي حرج كان غنيا عن السقوط فيه بما سيصوره كبلد خانع أمام دول أوروبية، خاصة مع ظهور بوادر تنبئ بالبدء في عمليات ترحيلهم نحو هولندا وبلجيكا خصوصا، مما قد يوحي بانصياعه لمشيئة هذين البلدين. الأمر الذي كان يمكنه تجنبه لو اتبعت دبلوماسية بوريطة منحى آخر لحل الأزمة.

وزارة نزهة الوافي تبدو بدورها خارج التغطية “الكورونية” فلم تجد لأبناء الجالية العالقين في الداخل إلا الدعوة للصبر وتوجيه كفيها نحو السماء، بدل أن توجه الأجهزة المختصة وتربط اتصالاتها التي يخولها لها القانون لإيجاد حلول حقيقة وجذرية لهذا الظرف الطارئ غير المسبوق. وإذا كان هذا حال وزيرة، فماذا يمكننا أن نقول عمن هو أدنى مقاما منها كأمين مجلس الجالية المغربية في الخارج، والكلام نفسه ينطبق على باقي المؤسسات المتعلقة اختصاصاتها بمغاربة الخارج، والتي تتحمل الدولة المغربية عبء نفقاتها دون نتائج ملموسة تذكر.

وضع ارتفعت معه أصوات مغاربة العالم الغاضبين لأنها لم تجد من يتحدث حقيقة باسمها في هذا الوضع الحرج، وينذر بفتح الملفات المصيرية القديمة وأهمها مشاركتهم السياسية، الملف الذي سيرجع الفضل لجائحة كورونا في طرحه من جديد وبكل قوة. مسألة الاستثمارات في المغرب والتي تبين أنها صفقات خاسرة ومهددة بقوانين جائرة، مسألة التحويلات المادية التي قد تتعرض للمراجعة كنوع من الانتقام من “السيستيم” الذي نفى المواطنة الكاملة عن المغاربة خارج الحدود ونزع عنهم حق التنقل الحر، والذي سيشكل مذبحة حقيقية لاحتياطي العملة الصعبة للمغرب، وردّات أفعال أخرى.

أحمد حضراوي






0 commentaires:

Publier un commentaire

 
Top