قدم وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة الخميس من الأسبوع الجاري توضيحات بشأن المغاربة العالقين في الخارج الذين لم ترخص لهم الدولة حتى الآن بالعودة الى وطنهم والمغاربة المقيمين في أوروبا أساسا الذين لم تسمح لهم بالعودة. وهي تفسيرات بقدر ما أنها ليست مقنعة فهي تخلق الغموض وربما اللامسؤولية.

ويعد ناصر بوريطة المسؤول الثالث في الحكومة الذي يمثل أمام البرلمان لتقديم توضيحات بشأن ملف العالقين بعد كل من رئيس الحكومة سعد الدين العثماني والوزيرة المكلفة بالمهاجرين نزهة الوافي. ولم يكشف الثلاثة عن تاريخ عودة العالقين، فقد اكتفى العثماني بالتمني بعودتهم وكأنه مواطن من دولة ثالثة يتضامن مع العالقين وليس رئيسا للحكومة مجبر بقوة القانون والدستور على تقديم توضيحات وتعهدات. ولم تضف نزهة الوافي شيئا غير المتمنيات. وبدوره، اكتفى بوريطة بالحديث عن “الشروع في إعادتهم قريبا جدا“. والتصريح الأخير غامض للغاية لأنه لا يحدد الزمن بدقة، هل يتعلق الأمر بأيام أم أسابيع أم هذا رهين بتوصل المغرب بمعدات الفحص السريع، لاسيما وأن المغرب كان قد اتخذ قرارا ببدء إعادة العالقين لكن ارتفاع المصابين في البؤر الصناعية بشكل ملفت دفعه الى التراجع.

وعموما، لم يقدم ممثلو الدولة المغربية الثلاثة في البرلمان توضيحات وأجوبة مقنعة بشأن تساؤلين: لماذا يعد المغرب الدولة الوحيدة في العالم التي لم تقم بإجلاء مواطنيها العالقين في الخارج؟ ثم، لماذا تصر الدولة المغربية على منع المقيمين في أوروبا سواء لديهم بطاقة الإقامة أو الجنسية من العودة الى ديارهم؟

لا يمكن للدولة المغربية تبرير قرارها بالأمن الصحي، لأن دولة مسؤولة عن الأمن الصحي للشعب لا تخفض من ميزانية الصحة وتطبق أقسى سياسة نيوليبرالية على القطاع ولا تتسامح مع تهريب ونهب ممتلكات الوطن والشعب. إن استمرار موقف الدولة المغربية بكامل مؤسساتها وأساسا المؤسسة الملكية ومستشاريها ورئاسة الحكومة بعدم إجلاء المغاربة العالقين يخلق وسط الرأي العام قلقا وهو: كيف لدولة مثل المغرب تبني مستشفيات ميدانية في عدد من الدول وتقدم مساعدات للدول الافريقية ولديها بنيات تحتية لاستقبال ملايين السياح تعجز عن إجلاء 20 ألف من مواطنيها في الخارج؟ بل وتشكل الاستثناء العالمي في هذا الشأن. 

لقد أجلت معظم الدول مواطنيها من السياح والآن تجلي المقيمين في الخارج الذين يرغبون في العودة، وهناك عشرات الأمثلة. بينما المغرب يعجز عن إجلاء مواطنين غير مقيمين. ومن ضمن الأمثلة، لبنان دولة صغيرة، أجلت في المرحلة الأولى الآلاف من مواطنيها وتستعد ما بين 28 أبريل الجاري الى 8 مايو المقبل الشروع في المرحلة الثانية بإجلاء مقيمين لبنانيين في أوروبا وآسيا وإفريقيا ومنهم مقيمين في المغرب، حيث ستقلع الطائرة يوم فاتح مايو على الساعة 11،20 صباحا من الدار البيضاء نحو بيروت. وهناك رحلات أخرى لجنسيات أخرى من الدار البيضاء طيلة هذه الأيام. ولبنان دولة صغيرة الحجم جغرافيا وبها مليون لاجئ سوري ونسبة كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين ورغم ذلك لم تتخلى عن مواطنيها ولم تقل بضعف البنيات الصحية.

في الوقت ذاته، يكتنف الغموض تصريحات بوريطة حول قضية المغاربة المقيمين في أوروبا سواء أصحاب الجنسية المغربية أو بطاقة الإقامة. فقد اتهم بلجيكا وهولندا بالميز خلال عمليات الترحيل، بتفضيلهما مواطنيهما الأصليين على حساب أصحاب الإقامة والجنسية المزدوجة. يمكن تصديق كلام بويطة والقبول به، ولكن هناك معطيات وتساؤلات هي كالتالي:

أولا، معظم دول العالم في البدء منحت الأولوية للسياح بحكم أن الفنادق كانت ستغلق، هذا حدث في المغرب كما حدث في إسبانيا والولايات المتحدة ومصر ولبنان وكل دول العالم. لقد رخص المغرب للولايات المتحدة بنقل السياح ثم بالمقيمين المغاربة وأصحاب بطاقة الإقامة والجنسية، ولا يمكن للخارجية تكذيب هذا المعطى.

ثانيا، لنفترض عدم صدقية المعطى الأول، إذا كانت بلجيكا وهولندا فضلا مواطنيهما الأصليين، لماذا منعت الدولة المغاربة المقيمين في دول أوروبية أخرى ومنها اسبانيا أو فرنسا من السفر؟ لقد فتحت السلطات المغربية معبري سبتة ومليلية للسياح الأوروبيين ثلاث مرات، واستثنت المغاربة من السفر رغم أن الاتحاد الأوروبي أكد أن أبوابه مفتوحة لكل الأوروبيين والمقيمين بطريقة قانونية. وعليه، أجلت اسبانيا مثلا مواطنيها وكذلك أصحاب بطاقة الإقامة من دول أمريكا اللاتينية وإفريقيا وآسيا باستثناء المغرب، فهل تعمدت الميز ضد المغاربة الحاملين للجنسية الإسبانية وبطاقة الإقامة؟ السلطات الإسبانية تنفي الميز والخارجية المغربية صامتة. 

إن تصرف الدولة المغربية في هذا الملف يكتنفه الغموض، وهو تصرف استثنائي بمفاهيم سلبية للغاية وليس استثناء مشرفا. لا أحد يستسغي ما يلي: لماذا الدولة المغربية هي الوحيدة في العالم التي لم تقم بإجلاء مواطنيها؟


0 commentaires:

Publier un commentaire

 
Top