من المنطقي و المشروع أن تتخذ الدول إجراءات استثنائية و سيادية عندما يتهددها خطر خارجي من قبيل الحرب أو الكوارث الطبيعية أو الأوبئة الفتاكة..الخ. و يتم تبني هذه الإجراءات و تطبيقها في إطار ما تسمح به المرجعيات القانونية الوطنية من دساتير و قوانين و كذلك المعاهدات الثنائية و المتعددة الأطراف و الدولية و فلسفة القانون الدولي الإنساني. 

و من المنطقي كذلك، ولكي نضمن لهذه الأجراءات ما تستدعيه من إجماع وطني ومجتمعي قوي و دعم شعبي واسع ، لمواجهة جائحة كورونا ،وجب أن تكون التدابير الإستثنائية مؤقتة ، و أن يتم تطبيقها ، رغم الصرامة المطلوبة في هذه الظروف و عنف الدولة المشروع في إطار القانون وما هو متعارف عليه في كل الأنظمة الديمقراطية ، باستحضار قدر كبير من الحس الإنساني و مراعات الظروف الاجتماعية و درجة الوعي للفئات المستضعفة في مجتمعنا. فدون حس انساني يراعي ظروف البؤس الاجتماعي و يستحضر حقوق الإنسان تطغى المقاربة الأمنية، و تتحول حالة الطوارئ الصحية المعلن عنها إلى مناسبة لتصفية حسابات سياسية و سياسوية واقتصادية ...الخ و تمرير ما كان يصعب تمريره من تدابير و إجراءات لولا مظلة الطوارئ و الإستثناء و السيادة. 

نعم لقد كان المغرب من الدول القليلة التي اتخذت إجراءات و تدابير استباقية ذكية، عملية و ميدانية لمواجهة جائحة كورونا بتطبيق حجر صحي صارم ضمن نظام الطوارئ الصحي الذي تم اعتماده، و قد قوبلت هذه التدابير، رغم القسوة النسبية لبعضها، باستحسان من طرف الصحافة العالمية و المجتمع الدولي، و قبول واسع من طرف أغلبية المواطنين. ومن التدابير التي خلفت ارتياحا كبيرا تخصيص مساعدات للعائلات المعوزة و تعبئة جميع موارد القوات المسلحة و انخراطها في مواجهة جائحة كورونا. و للأمانة الفكرية و الأخلاقية لا بد من الإشارة إلى الحالات التي استعملت فيها قوات الأمن العنف بشكل مفرط و مهين و منتهك لكرامة المواطن، غير مقبول يجب وضع حد له. و في نفس الوقت شاهدنا مشاهد رائعة من التلاحم الذي تم بين المواطنين و قوات الأمن. 

إلا أن هناك نقطة سوداء يكبر حجمها يوما بعد يوم و تتعاظم تداعياتها و آثارها السلبية على الجالية المغربية والمغاربة بصفة عامة و على علاقة المغرب ببعض الدول الأوروبية و هي الطريقة الغريبة و الغير المفهومة التي تعالج بها الدولة المغربية قضية المغاربة العالقين بالخارج و مغاربة العالم العالقين بالمغرب. لقد أصبحت هذه القضية مسلسل مآسي و معانات مسنين مرضى، و نساء منهن حوامل، وأطفال رضع مع أمهاتهم..الخ ترفض فيه السلطات المغربية السماح لهم بمغادرة التراب الوطني أو العودة إليه، رافعة راية مبدأ السيادة في وجه مزدوجي الجنسية من العالقين بالمغرب، و بالخصوص حاملي الجنسية البلجيكية و الهولاندية، رغم إلحاح سلطات هاذين البلدين و محاولاتهما المتكررة و تعبيرهما أمام برلمانيها و مؤسساتيها عن استعدادهما لترحيلهم إلى بلدان إقامتهم . و الأدهى و الأمر أن تطول هذه المعانات و الدولة المغربية تلتزم الصمت و تشهر باستحياء مبدأ السيادة الذي اعتبره كثير من أهل الإختصاص حقا يراد به باطل. 

إن مبدأ السيادة التزام تعبر الدولة من خلاله عن استقلالها التام و مطلق تحكمها في قراراتها و صلاحياتها و تفعيله في الدفاع عن التراب الوطني و المصلحة الوطنية و حماية مواطنيها داخل التراب الوطني و خارجه و لا نفهم أن تستحضر السلطات المغربية مبدأ السيادة و تلوي عنقه لتسخيره في عملية تبرير غريبة لإدامة معانات مواطنات و مواطنين مغاربة عزل. و كم كنا ،و يا للأسف ،ننتظر من الدولة المغربية أن توظف مبدأ السيادة و ما تحتفل به من اعتدال و اتزان و تبصر و بعد نظر و استثناء مغربي أصيل ، و تفاجئ العالم و تبهره بتنظيم جسر جوي ينقل العالقين إلى مقر إقامتهم و ذويهم و وضع حد لمعاناتهم. 

لقد أظهرت جائحة كورونا فساد الاختيارات النيولبرالية التي انتهجتها الدولة المغربية على امتداد عدة عقود، و أسقطت ورقة التوت على دعاة الخوصصة و تحويل المرافق الحساسة و الاستراتيجية من الاقتصاد الوطني إلى القطاع الخاص، بعد أن تم تتويج البورصة آلهة فوق رأس الدولة و المجتمع بتزكية و دعم المؤسسات المالية الدولية كالبنك الدولي و غيره. و كشفت عورتنا و هشاشة مرافقنا الاجتماعية و سياساتنا العمومية في ميادين الصحة و التعليم و التكوين و العدالة الاجتماعية و النهوض بالطبقة المعوزة . 

و مما أظهرته جائحة كورونا بجلاء للعيان هو طبيعة نظامنا السياسي حيث ظاهره حكومة و وزراء و مسؤولون و غرف و برلمانيون و مستشارون صوريون لا دور و لا أثر ولا تأثير لهم في تسيير شؤون البلاد، و دولة عميقة و حكومة ظل صاحبة القرار الأول و الأخير و القول الفصل تتمتع بجميع الصلاحيات ومطلق السلطات. و قد استحضرت هذه الحقيقة و أنا أتتبع أعمال لجنة الشؤون الخارجية و المغاربة المقيمين بالخارج و وو...بالغرفة الأولى فاستمعت للسيدة الوزيرة المنتدبة المكلفة بالمغاربة المقيمين بالخارج تنطق عن الهوى بكلام مثقوب من لغة خشب أكلته الرطوبة، و استخلصت من تدخلات السيدات النائبات و السادة النواب ومن عدم تمكنهم من ملف مغاربة الشتات أنه قد حان الوقت لتفعيل البنود الدستورية المتعلقة بالمشاركة السياسية و التمثيلية في البرلمان بغرفتيه انطلاقا من دوائر انتخابية بمختلف بلدان إقامة مغاربة الشتات كما ورد في الخطاب الملكي التاريخي ل 6 نونبر 2005، و حان الوقت كذلك للإفراج عن القانون الجديد لمجلس الجالية المغربية بالخارج الذي نتمناه أن يكون ذا تمثيلية واسعة حقيقية و مصداقية ديمقراطية بعيدا عن منطق الزبونية و المحسوبية و تصفية الحسابات. 

عبدالعزيز سارت 

0 commentaires:

Publier un commentaire

 
Top