كتبوا وكتبنا منذ سنين محذرين عن حدة أزمة الهجرة وما آلت إليه أوضاع المهاجرين من سوء معاملة وإهانة في بلدان الإقامة. وكم نبهنا من لهم مسؤولية رعاية مصالح الجالية المغربية المقيمة بالخارج إلى أحوالها وهمومها وانشغالات أفرادها وإلى ضرورة تقوية إمكانياتها المعنوية والثقافية والسياسية. لكن للأسف، كنا نصب الماء في الرمل ونبشر في صحراء قاحلة، فلم تنبث ولو بذرة صغيرة في دواوين الوزارات المكلفة بشؤون الجالية لكي تندثر السحوب وتخيم الثقة، السؤال هو: لماذا مازال حمار الشيخ واقفا في العقبة؟ 

توالت السياسات العمومية منذ ثلاثة عقود وتعاقبت الأسماء على كرسي الوزارة المكلفة بشؤون الجالية وجاء الدستور الجديد وليس من جديد يذكر أو نقلة نوعية تحسب لها لصالح الجالية إلا القليل القليل، وصفقنا للقليل آملين المزيد منه حتى لا ينعدم ويموت ما بقي لنا من ثقة وأمل في ذكاء وجرأة بعض المكلفين بشؤون الجالية. 

ويبقى السؤال القديم الجديد المزعج مطروحا : هل في ذهن وحساب وقاموس أصحاب القرار مدخلا يؤكد جليا أن أفراد الجالية مغاربة بكل ما في الكلمة من معنى ؟ أم هم فقط نصفها الأخير ؟ 

لكل جيل كتابه ورؤساء جمعياته وهمومه وطموحاته . جيل الأولين ً الجيل المنسي ً تعب وحرم وأهين لكنه ظل وفيا للعهد متشبتا بدينه ووطنه وعشيرته . ولقد ورثت الأجيال الأربعة المتتابعة منه التشبت بحب الوطن والدفآع عن مصالحه العليا . أليس هذا مكسبا كبيرا ؟ ماذا سيحصل لو إنعدم هذا الإحساس وهذا التشبت بالوطن الأم في ذاكرة وسلوك هذه الأجيال ؟ إسألوا أصحاب الذكر إن كنتم عن الموضوع غافلين . 

كم مقالات كتبت وكم لقاءات ومحاضرات نظمت حول موضوع الجالية المغربية المقيمة بالخارج عن مشاكلها وعلاقتها ببلدها المغرب . وكم عهود و وعود حزبية وبرلمانية وحكومية قدمت للجالية بقيت حبرا على ورق قديم أكل الدهر عليه وشرب. 

ويٱتي وباء الكورونا مخيفا رهيبا وعدوا مبينا للعالمين لافرق بين عربي وعجمي إلا بالوعي وحسن التدبير , فتظهر مكانة الجالية وقيمتها الحقيقية في ذهن البعض و يظهر العدو والصديق والحكيم والمتطفل عن إدارة الشأن العام وعن مصالح الجالية المغربية بالخارج وأبناءها ً المعلقين ً في وقت تهيمن على أجواءه مخاطر وباء قاتل. وقت تلغو فيه رئاسة الحكومة بلغوها و وزارة الخارجية تفتي فيه فتواها و وزارة الصحة تدلي برأيها ولكل وزير رأي يناقد أو يكذب رأي وزير آخر. 

وفي الوقت الذي لازال فيه أهل الكهف غارقين في سباتهم، يبقى العديد من أفراد الجالية معلقين مهملين في الداخل وفي الخارج لا معين ولا يد رحيمة و لا مساعدة رزينة تفرج من كربهم وتخفف من معاناتهم. 

ولكن , وكما يقول المثل ً للصبر حدود ً. الجالية صبرت كثيرا وا نتظرت طويلا سياسات عمومية رشيدة ورزينة تخدم مصالحها الثقافية والإجتماعية والإقتصادية وتمنحها الإحساس بأنها ليست فقط ً بقرة حلوب ً بل مكونا قويا من مكونات وطن هو اليوم في مس الحاجة لكل أفراده لأخد معارك التنمية والعدالة الإجتماعية والحقوق المتعلقة بالمواطنة بأكملها . 

أما الآن وحالة المغاربة العالقين في المطارات تزيد كل يوم حدة من كثرة الإهمال والإهانة فلأي ولي صالح تتجه اليه الجالية للتخفيف من همومها وتحقيق متطلباتها المشروعة ؟ أي باب تطرقه لكي يتولى أمر شؤونها أناس أكفاء لهم من الحكمة والجرأة مايكفي لحل مشاكلها والوقوف بأمانة وإخلاص بجانبها بالخصوص في زمن الأزمة وفي الشدة ؟ 

 باريس، 16 ماي 2020  

محمد مريزقى 
باحث، كاتب و صحفي 




 
Top