تحل علينا اللغة العربية في ثوب جديد، عروسا جميلة بطلعة بهية، في يوم عيدها العالمي الذي قررته الأمم المتحدة بالإجماع يوم 18 دجنبر من كل سنة، “القرار الأممي عدد 3190 د28 »، واعتمادها ضمن اللغات الست بمؤسساتها منذ 1973. 

لهذا سأحاول في هذه المناسبة أن أغوص معكم في بحر هذه اللغة الجميلة، لتَفَقُّدِ أحوالها، وتشخيص صحتها وبنيتها، لنصل إلى خلاصات حول مستقبلها.

ومن المعلوم عند علماء اللغة، أن اللغات مثل البشر، لها أعمارها ولها أمراضها، ولها انتكاساتها واعوجاجات وعلل يمكن أن تؤدي إلى وفاتها واندثارها نهائيا من الوجود. وهذا حال كثير من اللغات التي ماتت ولا نعرف عنها شيئا. وهناك لغات ماتت ولكن بقيت في نحوت أو مخطوطات أو زخارف أو نقوش على الأحجار أو العملات، كاللغة المسمارية والهيروغليفية والآرامية والسرياني وغيرها كثير. 

ولكن عندما درسوا اللغات التي ماتت، وجدوا أنها قبل موتها تظهر عليها بعض العلامات التي تؤدي إلى اعوجاجها ، وأغلب هذه العلامات قد تظهر في أصواتها أو في بنيها النحوية والصرفية.

لذلك سأتطرق إلى هذه المظاهر لنرى مدى تأثر اللغة العربية بهذه العلل والاعوجاجات، أم على العكس، هي تمتلك مقومات ذاتية للصمود والاستمرار تسافر بها عبر التاريخ والزمن؟

وماذا سيفعل العرب أمام هذا التحدي العلمي الذي اتخذ اللغة الانجليزية لغة التكنولوجيا والبرمجة والبحث العلمي في شتى المجالات؟

وهل تدعم الأنظمة اللغة العربية في مناهج التدريس والتداول؟ ثم هل تعمل على نشرها بجهودها وإمكانياتها المادية واللوجيستيكية لتستمر، كما تفعل الدول الغربية عن طريق البعثات الثقافية والمدارس المنتشرة في كل بقاع العالم والأموال الضخمة التي تضخها لهذا الغرض؟

وقبل الدخول في تفاصيل هذا الموضوع أحب أن أجيب على تساؤل بريء ربما يطرح حول هذه المقالات هو، لماذا هذا الموضوع ونحن نرى تدهور التعليم، واختلاف اللهجات، وردة العرب عن التواصل بالعربية وأصبحوا يتداولون باللغات الأجنبية؟ كنوع من التباهي أو لإبداء نوع من الرقي الفكري والثقافي عند الكبار؟ كما يضغط الآباء على الأبناء ليتعلموا اللغات الأجنبية ولا يعلمونهم اللغة العربية؟ 

أقول ما أشبه اليوم بالبارحة، وها هو التاريخ يعيد نفس المحن، فقد عرفت العربية عبر تاريخها الطويل مثل هذه التحديات، وبعض منها كان سبب تأليف الموسوعة اللغوية الشهيرة لسان العرب لابن منظور الذي قال في مقدمتها:

“…وذلك لما رأيته قد غلب في هذا الأوان من اختلاف الألسنة والألوان، حتى لقد أصبح اللحن في الكلام يعدّ لحناً مردوداً، وصار النّطق بالعربية من المعايب معدوداً، وتنافس الناس في تصانيف الترجمانات في اللغة الأعجميّة، وتفاصحوا في غير اللغة العربية، فجمعت هذا الكتاب في زمنٍ أهله بغير لغته يفخرون، وصنعته كما صنع نوحٌ الفلك وقومه منه يسخرون، وسمّيته “لسان العرب”.


0 commentaires:

Enregistrer un commentaire

 
Top