قال عبدالكريم بلكندوز الباحث في قضايا الهجرة إن الموقف الأخير الذي عبر عنه حزب الاستقلال في مؤتمره الخامس عشر بخصوص قضايا الجالية يستحق الاهتمام وأضاف أن حزب الاستقلال يؤكد أن إنشاء المجلس فكرة ايجابية في حد ذاتها، لكن تأسيسه لاينفي تمثيل الجالية في البرلمان المغربي، ووصف بلكندوز هذا الموقف بالايجابي بكل المقاييس.

وعن اللقاء المزمع تنظيمه في 4/3 مارس المقبل، أصر على أن يكون لقاء مفتوحا على الأحزاب والصحافة والنقابات وأن ينفتح على آراء الباحثين وألا تقتصر دعوتهم لحضور الجلسة الافتتاحية ذات الطابع البروتوكولي. تفاصيل أخرى نجدها في نص الحوار.

لماذا كل هذا الاهتمام بقضايا الهجرة والمهاجرين؟

اهتمامي بقضايا الهجرة وخصوصا قضايا الجالية المغربية المقيمة بالخارج يرجع إلى زمن بعيد، يصل تقريبا إلى أربعين سنة مضت، وذلك منذ كنت طالبا بفرنسا، آنذاك اكتشفت خصائص الهجرة وبدأ اهتمامي بها لأسباب كثيرة :
1 في المقام الأول هناك أسباب فكرية مرتبطة بالبحث لذلك أقول إن مسألة الهجرة لها عدة جوانب، فهي ليست اقتصادية فقط ، بل لها أيضا جوانب فكرية واجتماعية وقانونية وسياسية وجيوستراتيجية كذلك، وهذا يعني أن مجال الهجرة هو مجال فسيح وميدان حي ويتطور بسرعة لأنه مجال يفرض المواكبة، وهو مجال غير ممل.
2 اهتمامي بالهجرة كان بحكم شعوري بالمسؤولية المواطنة، وبما أن هذا الميدان له عدة جوانب ويهم شريحة واسعة من المغاربة، كان لابد كمواطن وباحث من ربط عملية البحث ومعرفة المجتمع، للمساهمة الأكيدة في فهم هذه القضايا وحلها، وأعتقد أن ما أقوم به هو نوع من المشاركة المواطنة في هذا المجال.
3 النقطة الثالثة هي أن الاهتمام بالهجرة مسألة مرتبطة ارتباطا وطيدا بقضايا حقوق الإنسان التي يجب أن تناقش بشكل شامل وغير مجزأ. مع العلم أن المغرب لم يعد بلد عبور فقط، بل أصبح بلد إقامة كذلك خصوصا بالنسبة للمهاجرين القادمين من بلدان جنوب الصحراء، وبهذا من الضروري مواكبة وتتبع هذه القضايا، ومن المفروض عدم الإقتصار على قضايا المغاربة المقيمين خارج أرض الوطن، وننسى الحقوق المشروعة بالنسبة للأجانب المقيمين في بلادنا.

هل هذه هي الأسباب الأساسية التي جعلتكم في هذه اللحظة بالذات تصدرون كتابا بعنوان، «المغرب والهجرة» أي مؤسسات وأية مواطنة؟

فعلا هذا الكتاب يحمل عنوان ««المغرب والهجرة « بشقيها الهجرة من الخارج إلى المغرب ومن المغرب إلى الخارج.

والسؤال المطروح الآن هو ضرورة فهم وضعية هؤلاء، خصوصا ما بعد تشكيل حكومة جديدة بعد انتخابات 2007، ولمعرفة هل فعلا حصل تطور في السياسات المغربية المتبعة في قضايا الهجرة ، وأستعمل كلمة «سياسات» بصيغة الجمع لأن المسألة لا تقتضي سياسة واحدة، و لأن مجال الهجرة يتطلب العديد من السياسات، سياسة للتأطير الديني مثلا، وسياسة للضمان الاجتماعي وسياسة خاصة بظاهرة الهجرة في حد ذاتها وسياسة فيما يخص الحقوق السياسية . لكن السؤال الجوهري الذي يفرض ذاته في هذه اللحظة، هو هل هناك سياسة منسجمة وإستراتيجية واضحة المعالم في هذا المجال؟
فيما يخص قضية الهجرة في اتجاه المغرب يمكن أن نطرح سؤالا ملحا، حول ماهية السياسة المتبعة في هذا الشأن، هل هي سياسة أمنية محضة أم هي سياسة استقبال تأخذ بعين الإعتبار الوضع الجديد للمغرب الذي لم يعد بلد عبور كما سلف الذكر بل بلد إقامة كذلك، الشيء الذي يقتضي رؤى جديدة وتهييء مناخ جديد وبناء هياكل وقوانين واضحة في مجال الهجرة.

ونتساءل كذلك عن دور المؤسسات التي تشتغل في هذا المجال لأننا نلاحظ على أن هناك عدة متدخلين. فمن هي الجهة التي تمثل الجالية بصفة حقيقية ومن يمثل من، وهل هناك تنسيق بين كل هذه المؤسسات، وهل هناك رؤى موحدة أم هناك تبعثر؟ ثم نطرح سؤالا آخر، سبق أن طرحته في هذا الكتاب حول ماهية المواطنة؟ وأما بالنسبة للمغاربة المقيمين بالخارج نتساءل، هل هم مغاربة كاملو المواطنة، عليهم واجبات ولهم حقوق، أم مازال ينظر إليهم بنظرة انتهازية ومادية محضة؟ وبالنسبة للأجانب المقيمين بالمغرب، ماهي حقوقهم، بما أن المواطنة الحقة لاتقتضي فقط حمل جنسية بلد الإقامة، ولهذا أقول إن هذا الكتاب أتى في ظرفية تتسم بغياب حوار ونقاش جاد ومعمق في مجال الهجرة، بالإضافة إلى ذلك من الواجب التذكير أنه في الأيام المقبلة، تحديدا يومي الثالث والرابع من مارس سينظم لقاء بمبادرة من مجلس الجالية المغربية المقيمة بالخارج. وبالمناسبة أسميه مجلس الجالية وليس بالمجلس الأعلى للجالية .

هي التسمية ذاتها التي اعطيتها لهذا المجلس في الكتاب الأول الذي صدر لك قبل 6 أشهر لماذا مجلس غير أعلى ؟

هذه هي التسمية الرسمية التي سمي بها منذ البداية، ولو كان فعلا مجلسا أعلى، فلابد أن يسمى بذلك في الظهير المؤسس له، بحيث سماه الظهير مجلس الجالية فقط، فلماذا أسميه أنا بالمجلس الأعلى؟

أعود لأذكر بأنه في يومي 3/4 مارس سينظم لقاء بحضور العديد من المجالس المماثلة الموجودة في كثير من الدول عبر العالم، بما في ذلك مجلس الفرنسيين بالخارج ومجلس الإيطاليين والبرتغاليين لمعرفة تجاربهم في مجال الهجرة ولاستخلاص الدروس من هذه التجارب، ولمناقشة دور أفراد الجالية في الحياة السياسية.

أشرت إلى الظرفية التي أصدرت فيها كتابك، بماذا تتميز في نظرك؟

2007 سنة مهمة بالنسبة لظاهرة الهجرة، سواء على المستوى العالمي أو الوطني ولأن صاحب الجلالة في إحدى خطبه كلف مجلس الجالية بمهمة إعداد رأي استشاري فيما يخص قضيتين أساسيتين.

الرأي الأول حول كيفية إحداث مجلس ديمقراطي للجالية، مجلس شفاف ويتوفر على نزاهة ونجاعة في الأداء.
الرأي الثاني ويتعلق بالكيفية التي نجعل بها الجالية مساهمة في الحياة السياسية للمغرب، و في هذا الصدد يجب على المجلس فتح نقاش والقيام بمشاورات مع المعنيين بالأمر، سواء مع أفراد الجالية أو مع الأحزاب، واعتبر هذا الكتاب مساهمة متواضعة و مواطنة تدخل في النقاش العام بالنسبة للهجرة .

آراؤك الواردة في هذا الكتاب تؤكد عدم اقتناعك بأداء المجلس، لماذا؟

في الصيف الماضي وبالضبط في أواخر يوليوز صرح رئيس المجلس على أنه تم القيام بدراسة شملت تقريبا 80 دولة مهتمة بقضايا الهجرة وذلك لمعرفة الدول التي لها تجربة في هذا المجال، وما هي الدول التي حققت لمهاجريها مطلب التمثيلية السياسة.

وذكر أن هذه الدراسة سوف توزع على أوسع نطاق وأضاف أنه ستبدأ مشاورات بالعديد من الدول وقال أيضا إن هذه المشاورات ستنطلق في دجنبر من السنة الماضية وبعد ذلك قيل إنها ستبدأ في يناير فإذا بها أجلت إلى مارس المقبل. إذن المجلس يؤجل ويؤخر كل ما يجب القيام به في وقته.

أشرتم في عدة صفحات من كتابكم إلى موقف حزب الاستقلال من قضايا الجالية المغربية المقيمة بالخارج، ما قيمة هذا الموقف سياسيا واجتماعيا؟

بصراحة الجديد في النقاش الجاري والذي يستحق الاهتمام هو الموقف الأخير الذي عبر عنه حزب الاستقلال في مؤتمره الخامس عشر بحيث أتى المؤتمر بمواقف واضحة و متقدمة في هذا الشأن تبلورت في التقرير الأدبي الذي قدمه الأستاذ عباس الفاسي الأمين العام للحزب و في البيان الختامي للمؤتمر الذي توج بعدة نقاشات.

وما أثارانتباهي هو أن حزب الاستقلال يقول على أن فكرة إنشاء المجلس ايجابية في حد ذاتها، وهذا ما نلاحظه منذ سنوات مضت لكن هذا المجلس بقي بدون تمثيلية مما سبب بعض المشاكل. ويضيف الحزب بأن تأسيس المجلس لاينفي مسألة تمثيل الجالية في البرلمان المغربي واعتقد أن هذا الموقف ايجابي بكل المقاييس.

ونظرا للتعثر الذي لحق بمسألة التمثيلية لكون المجلس خضع لمنطق التعيينات إضافة إلى مدته الانتقالية «أربع سنوات» فإن حزب الاستقلال وبصفة واقعية أدلى بموقفه، وقال إنه يجب تقليص هذه الفترة الانتقالية إلى سنتين واعتماد انتخاب أعضاء المجلس المقبل، وهذا الموقف لايمكن لأي كان إلا تشجيعه لانه فعلا يتماشى مع انتظارات الجالية. وبكل صراحة موقف حزب الاستقلال أحرج البعض إن لم نقل الكثير من داخل المجلس على الخصوص، وهو موقف مسؤول ومدروس بعمق ويفتح آفاقا أكثر واقعية للجالية لأنه يأخذ بعين الاعتبار المحيط ويدخل هذا الموقف كذلك في إطار إصلاح أوضاع أفراد الجالية.

وللتذكير فقد قام حزب الاستقلال بعدة مبادرات الأولى كانت سنة 1989 حين تم اقتراح مجلس منتخب و الإعلان عن التمثيلية السياسية للمهاجرين ما بين 1984 و 1992 التي حذفت بعد ذلك، وفي عام 2004 قدم حزب الاستقلال مقترح قانون يقضي بضرورة تأسيس مجلس للجالية بصلاحيات متعددة.

تفرض قضايا الهجرة حاليا نقاش قضية جد مهمة تتمثل في أن المغرب أصبح دولة إقامة، في رأيك لماذا لم تعط للمسألة ما تستحق من الأهمية؟

أولا وقبل كل شيء مجلس الجالية كان من المفروض أن تكون له صلاحيات أدق وأكثر والمجلس بصيغته الحالية لا يتعاطى سوى مع القضايا العرضية والسطحية ويغض الطرف عن ماهو جوهري، ويقوم ببعض الأنشطة هنا وهناك بالرغم من أن لكل هذه الأشياء قيمتها، لكنها في غالب الأحيان توظف للاستهلاك الإعلامي ليس إلا.

ورغم ذلك سمعنا في ما قبل بطرد صحافيين من أحد اللقاءات التي نظمها المجلس بهولندا، إضافة إلى أنه لم يتم الإعلان عن لقاء آخر نظم مؤخرا في إسبانيا. بالنسبة للمعرض الدولي للكتاب، المجلس كذلك لم يعرض جميع الكتب التي صدرت حول الهجرة المغربية، و اعتقد أن مجلس الجالية لم يخلق لهذه الأهداف فقط . ومن كل هذا يتضح أن هناك تهميشا للمسألة السياسية التي تهم أفراد الجالية إضافة إلى إنتظارات آخرى تهم المسألة الثقافية، واعتقد أن الوزارة تبذل مجهودات كبيرة في هذا الشأن خصوصا في السنة الحالية عبر خلق مراكز ثقافية في بلدان الاقامة، وشخصيا أسطر على المشاركة السياسية لأفراد الجالية بالبنط العريض وكذا توفير الوسائل الإجرائية من أجل تطبيق القرارات الملكية التي أتى بها خطاب 6 نوفمبر 2005.

مشاركة أفراد الجالية في الحياة السياسية ليست بتلك البساطة، لأنها تحتاج إلى ترتيبات مهمة، ألا تعتقد بأن هذا من بين الأسباب التي أجلت المسألة؟

لا أعتقد ولكن بعض أعضاء المجلس يسلكون ما نسميه بالمنهجية المكيافيلية بهدف عرقلة كل ما يخدم أفراد الجالية ويطور من وضعيتهم. ولدينا مثال على ذلك في العديد من الدول التي عملت على توفير تمثيلية سياسية لمهاجريها ، مثل دولة كرواتيا والجزائر وإيطاليا والبرتغال. ومسألة التمثيلية السياسية للمهاجرين تناقش في فرنسا الآن ، لكن بعض أعضاء المجلس يستهزئون بكل هذه التجارب، مبررين ذلك بأن تجربة كرواتيا ليست بالنموذج الذي يمكن الإقتداء به والجزائر ليست بنظام ديمقراطي والبرتغال حديثة العهد بقضايا الهجرة ، خاصة أنها لم تنفتح على الموضوع إلا قريبا، بالتحديد بعد تجاوز مرحلة «سالازار» ، أما إيطاليا فوضعها لا يبشر بالخير لعدم استقرار وضعها السياسي، إذن في رأي المجلس كل هذه الدول لا يمكن اتخاذها نموذجا فيما يخص مثل هذه القضية، واعتقد أن هذه من بين الخلاصات التي سيخرج بها اليومان الدراسيان المزمع تنظيمهما في مارس المقبل.

برأيك ما هي نوعية هذه الخلاصات بل أهمها والتي يجب الخروج بها في لقاء 4/3 مارس المقبل؟

المشاركة السياسية موضوع جوهري ومن الواجب أن يكون اللقاء المقبل مفتوحا أمام الأحزاب والصحافة والنقابات وعليه ان ينفتح أكثر على الباحثين و ألا يقتصر على دعوة هذه المؤسسات وكل المهتمين للجلسة الافتتاحية ذات الطابع البروتوكولي، وأركزعلى أنه يجب أن يستفيد الجميع من هذا اللقاء وعلى أن يتخلله نقاش مسؤول وشفاف، ولا يجب أن يكون لقاء تنظيمي فقط، لكن من الضروري أن تكون له راهنيته، وتفعيل المنهجية التدريجية كما يتطلب اتخاذ العديد من الإجراءات لتكريس المشاركة السياسية لأفراد الجالية في استحقاقات سنة 2012، ولابد لهذه الإجراءات أن تبدأ من الآن لأن إعداد اللوائح الانتخابية وتقسيم الدوائر يحتاج إلى كثير من الوقت، ومرة أخرى أقولها وأكررها أن موقف حزب الاستقلال أحرج الكثير باعتباره موقفا جريئا ومنطقيا .

وقفت في كتابك عند نقطة خلق وزارة مكلفة بالمهاجرين إلى جانب المجلس ماذا عن تعدد الأطراف لتدبير الملف؟

الحكومة الحالية التي يرأسها الأستاذ عباس الفاسي، الأمين العام لحزب الاستقلال جاءت بمسألة جد مهمة فيما يخص ملف الجالية، وذلك بخلق وزارة خاصة منتدبة لدى الوزيرالأول، مكلفة بقضايا الجالية وهذه قفزة نوعية من الناحية التنظيمية والسياسية، بحيث ملف الجالية له طابع أفقي وأبعاد عديدة، اقتصادية واجتماعية ودينية وثقافية وحقوقية.

وأؤكد في هذا الصدد أنه في ميزانية 2009 أعطيت للوزارة المكلفة بقضايا الجالية جميع الإمكانيات لتدبير الملف على أحسن وجه والدليل على ذلك برمجة خمسة مراكز ثقافية في بلدان الإقامة، وهذا مجهود جد مهم، كما نلاحظ أن هناك تقدما فيما يخص التأطير الديني بمبادرة من وزارة الأوقاف بتنسيق مع وزارة الجالية عبر خلق مجلس أئمة المساجد، ونذكر في هذا الصدد أن اللجنة الوزارية المتعددة الأطراف والممثلة لجميع القطاعات الحكومية والتي يترأسها الوزير الأول اشتغلت على برنامج عمل لفترة مابين 2009/2012 .

ألا ترى بأن قوة مجلس الجالية تكمن في طابعه الاستشاري؟

في هذا الصدد الرأي الاستشاري الذي رفعه المجلس إلى صاحب الجلالة في 26 أكتوبر2007 يفيد التركيزعلى 4 سنوات كفترة انتقالية ثم قضية التعيينات.

وأطالب شخصيا بنشر هذا الرأي ليطلع عليه الرأي العام علما أنه قدم إلى المجلس الاستشاري باسم فريق عمل، وكعضو سابق في هذا الفريق أقول إننا لم نطلع بتاتا على هذا الرأي، لأنه أرسل مباشرة بعد ذلك إلى الديوان الملكي وأعضاء المجلس الاستشاري هم الآخرون لم يطلعوا عليه ولهذا من الواجب تعميم نشره لمعرفة مضمونه ومحتواه.
ولا أخفى عليكم بأن أحد أعضاء فريق العمل أصدر كتابا رصد من خلاله تقارير كل اللقاءات التي جمعت المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان بالأحزاب السياسية وهذا الكتاب يبين التناقض بين ما يصرح به المسؤولون في مجلس الجالية وما حدث في الواقع، وقد صدر هذا الكتاب تحت عنوان «زمن الهجرة وسياسة الخداع».

اجرى الحوار: عزيز أجهبلي



0 commentaires:

Enregistrer un commentaire

 
Top