أثار اقتراح السيد “أندري فلاهو” تدريس اللغة العربية بالمدارس الرسمية البلجيكية كلغة ثانوية للراغبين في تعلمها، موجة من الغضب وردات الفعل في صفوف المحافظين بأحزاب الأغلبية ببلجيكا، وذلك لأن هذا الاقتراح صادر عن شخصية لها وزن سياسي واجتماعي ومسؤولية كبرى كوزير فدرالي بفدرالية والوني بروكسيل. 

هذا من ناحية ومن ناحية أخرى وكما قال بنفسه لو اقترح لغة أخرى لمر الأمر بصورة عادية وطبيعية ولا شيء يذكر، ولكن بما أن الأمر يتعلق باللغة العربية، فقد تجندت كل وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة وكذا وسائط التواصل الاجتماعي لإثارة النعرات العنصرية البغيضة واستغلت الفرصة لتشويه صورة العربي والمسلم بأوربا، وكأن تدريس العربية يمثل تهديدا مباشرا للهوية والثقافة الأوربية، وقامت في الحقيقة وباحترافية عالية بشيطنة هذا المقترح النبيل الذي من بين أهدافه احترام الآخر، وتشجيع العيش المشترك، ولكن قاموا بتمرير رسالة خطيرة إلى المجتمع البلجيكي المسالم والمحايد بأن العربية والعرب يمثلون تهديدا مباشرا أو غير مباشر على الهوية والثقافة الأوربية، يمكن أن يروا آثاره على المدى البعيد. والأخطر هو قيام بنو جلدتنا والناطقين بلغتنا العربية والمتاجرين بقضيتها هم أول من هاجموا هذه المبادرة هجوما شرسا سأوضح أسبابه فيما يلي، لهذا السبب وجدت نفسي مضطرا للتفاعل مع هذا الحدث ولا أدعه بدوري أن يمر بدون أن أدلي بدلوي فيه إيجابيا طبعا، وتصحيح بعض المغالطات المثارة حول هذا الموضوع، بصفتي أولا عربي لغة وهوية وثقافة، وإن كنت ناطقا أيضا بغيرها من لغات العالم، ومطلعا نوعا ما على ثقافته الكونية، خاصة اللغة الفرنسية التي أتكلم وأشتغل بها هنا ببروكسيل، وثانيا كباحث ومؤطر تربوي وبيداغوجي ومدرس متعاقد مع مركز ثقافي بلجيكوـ عربي لتدريس اللغة العربية للكبار والصغار من البلجيكيين من كافة الجنسيات القاطنين ببروكسيل من محبي هذه اللغة الحضارية، طبقا للمعايير الأوربية لتدريس اللغات الأجنبية.

أولا : كيفية تناول الإعلام البلجيكي لهذه المبادرة وتوجيهه للرأي العام :

مما أثارني حقيقة أكثر من الموضوع نفسه، هو كيفية تناول الإعلام البلجيكي لهذه المبادرة أو المقترح، وخاصة المرئي منه في قناتين : الأولى الرسمية يوم 07 فبراير 2018، والأخرى خاصة يوم 11 فبراير 2018 ؛ فقد تعامل منشطو البرنامج ومعدوه باحترافية خطيرة جدا في توجيه الرأي العام ضد اللغة العربية. كما أنهم عمدوا إلى أسلوب استقراء آراء الناس بصورة خادعة، حتى يتوهم المشاهد أن أغلبية المجتمع البلجيكي ضد هذه اللغة، والواقع غير هذا تماما، فقد ذهبوا إلى استقصاء الآراء في أماكن بعض ساكنتها معروفة بمحافظتها وكراهيتها للأجنبي، حتى قال واحد منهم لما سأله لماذا تكره العربية ؟ قال بالحرف” هكذا لأننا بيض”، وهي جملة في غاية العنصرية هنا بأوربا، كعقدة الدم الأزرق في ألمانيا النازية. لهذا كانت نتائج هذا الاستطلاع المزيف متوقعة، لكن الفاعلين الميدانيين، يعرفون جيدا مكانة هذه اللغة عند البلجيكيين، وهناك إقبال كبير جدا على تعلمها من غير ذوي الأصول العربية أو المسلمين بل من البلجيكيين والأوربيين المقيمين ببلجيكا أيضا. وليكون استطلاع الرأي حقيقيا وعلميا كان ينبغي أن تقوم به مؤسسات متخصصة وبطرق علمية، وفي وقت معين يستمر أحيانا سنة أو على الأقل لمدة شهور، وعلى فئات مختلفة وأجناس متفرقة، وأعمار متفاوتة وكذا المستوى الاجتماعي والثقافي والمادي، وهذا ما لم تقم به هذه القنوات، بل مجرد تحريك الكاميرات في أماكن مختارة بعناية، مقصود منها أن تعطي هذه النتيجة وهي أكثر من 70 في المائة من المعارضين.

ثانيا : العرب المقيمين ببلجيكا وتشجيع هذه المبادرة :

في الحقيقة وإن كنت انتقدت وسائل الاعلام البلجيكية، فإني هنا أشيد بالجو الديمقراطي من ناحية أخرى بترك المجال لبعض الفاعلين من ذوي الأصول العربية، ليدعموا مبادرة الوزير “أوندري فلاهو” الشيء الذي أفرح الكثير من المثقفين والأسر المغربية والعربية المهتمة بهذا الشأن، والتي لها غيرة على اللغة العربية وعلى هوية أبنائهم والأجيال القادمة. ولكن الذي يقلق ويحز في النفس هو أن مجموعة من المتاجرين بقضية اللغة العربية وأرباب المدارس الخاصة والجمعيات، قامت برد فعل قوي ليس إيجابيا بل سلبيا، أي قامت عن بكرة أبيها لنسف هذه المبادرة من الأساس، لأنها تهدد جزءا من تجارتهم، فلماذا إذن ؟ للجواب لا بد من توضيح الحدث أكثر :

أ ـ مداخلة الإعلامي محمد التيجيني والجدل المثار حولها :

فعند استضافته بقناة RTL دَعَّم هذه المبادرة، وطالب بتشجيعها فورا من طرف الجميع بلجيكيين وعرب، لأنها ستدرس بمؤسسات الدولة وبدعم منها، وبشروط بيداغوجية، ومحيط تربوي يعطي قيمة لهذه اللغة بما يليق بمكانتها، وانتقد في سياق حديثه ما يقع ببعض ما يسمى مدارس عربية ملحقة ببعض المساجد التي تعطي صورة سلبية لهذه اللغة وللدين أيضا، بسبب سيطرة تيار أو تيارات مذهبية على بعض المساجد، لهذا وحفظا للهوية العربية الأصيلة يجب أن تدرس كلغة وثقافة بعيدا عن هذه التجاذبات التي ستؤثر سلبا على نفسية التلاميذ، وعلى الأجيال المقبلة هنا. ومن خلال التجربة والواقع المعاش هنا، فإنه قد وضع الأصبع على الجرح مباشرة، ولكن بدون أن يشعر فقد استفز مجموعة من المتاجرين بمنظومة التعليم ببعض المساجد، لهذا قاموا برفض هذه المبادرة، والتحامل على صاحبها سواء التيجيني المثير للجدل، أو الوزير صاحب المبادرة الأصلية. وهذا شيء خطير يدل على مدى التخلف الفكري والاستراتيجي الذي ما زال في عقول بعض الفاعلين، أو على الأصح المترامين على هذا الميدان الدقيق والمتخصص، سواء من ناحية التأطير أو الإشراف أو التدريس. وإذا عرف السبب بطل العجب، فبعض هؤلاء هم في الحقيقة متطاولون ومترامون على هذا الميدان المربح، فأصبحت غايتهم الأساسية هي الربح المادي لا غير، ولا يهمهم مستقبل اللغة بهذه الديار، ولا مستقبل أجيال من ذوي الأصول العربية.

ب ـ الواقع اللاتربوي لتدريس العربية في بعض المدارس الملحقة بالمساجد :

وكما قلت في حوار سابق بقناة مغرب تيفي فأغلب هذه المدارس لا تتوفر على الشروط البيداغوجية المتعارف عليها في ميدان التربية والتكوين في واقعنا المعاصر في العالم، فما بالك ونحن في قلب العاصمة الأوربية بروكسيل، الذي يجب أن تعطي فيه المدارس العربية الإسلامية النموذج الراقي والحضاري اللائق بديننا الحنيف وبمكانة اللغة العربية في الثقافة والحضارة الكونية المعاصرة. فلا يوجد مؤطرين مختصين، ولا إدارة تربوية من طرف ذوي الكفاءات ومستوى تعليمي بيداغوجي يؤهلهم لتسيير هذا المرفق الخطير، ولا أساتذة مهنيين، خريجي معاهد متخصصة قد راكموا تجارب مهنية، وفي نفس الوقت مطلعين على المستجدات التربوية، وعلم النفس التربوي والأبحاث في المجال السلوكي يؤهلهم لتدريس هذه اللغة في غير بيئتها الطبيعية، وبصورة جذابة وأسلوب شيق تحبب هذه اللغة لمتعلميها، لكن للأسف عندما ينطق أحد العقلاء ويريد أن يؤسس لمرحلة أخرى على أسس صحيحة ومهنية وعلمية، بدل الارتجال والتسيب الذي يقوم به بعض منتحلي الصفة بلبس لباس الأساتذة والمدافعين عن اللغة العربية، ولكن غايتهم هي بقاء الوضع على ما هو عليه من المتاجرة بعقول ومشاعر ووجدان الأطفال الأبرياء، و لا أخفي سرا إذا قلت أني أعرف الكثير ممن ادعوا أنهم مديرون لمدارس العربية لا مستوى دراسي لهم، ومهنهم الأصلية بعيدة كل البعد عن المجال التربوي، مع احترامي لكل المهن والتخصصات، ولكن مهنة التدريس لها أهلها. كما أن بعضهم في الحقيقة حاصل على ما كان يسمى بالمغرب الأهلية للتدريس أو شهادة المعلمين، ولكن بقوا على أساليبهم القديمة بالمغرب في مطلع الستينات والسبعينات ولم يطلعوا على المستجدات والمناهج البيداغوجية الحديثة والتطورات الهائلة في التعليم، وتكنولوجيا التدريس بالوسائط، ولم يطوروا أساليبهم ومناهجهم، فبقيت عطاءاتهم تقليدية عقيمة لم تؤد إلى النتائج المتوخاة والمرجوة من طرف الاولياء والآباء، فمن الطبيعي أن لا يشجع هؤلاء المبادرات الخلاقة والتي قد لا تتكرر. فعوض تشجيعها يريدون قتلها في المهد. لكن ما يثلج الصدر هو أن الأجيال الحالية والتغير النوعي في الآباء والأمهات الشباب اليوم أصبحوا أكثر وعيا واهتماما بمسألة التعليم ومتابعة هذا الشأن عن قرب، فلم تعد تغريهم الشعارات العاطفية، ولا الإشهارات، أو العمل الخيري، أو التطوعي باسم الدين، بل من خلال تعاملاتهم مع بعض المتاجرين بهذه الأمور ولعل أحسن عينة يمكن أن تؤخذ كمقياس واستقصاء المداخلات الهاتفية للمشاهدين في برنامج “مساء الخير بروكسيل” الذي ينشطه الإعلامي منصف بلقرشي بقناة مغرب تيفي ببروكسيل يوم الثلاثاء 13 فبراير 2018 ، والذي استدعى فيه بعض الفاعلين، فتدخلات المشاهدين كانت دقيقة وعلمية بصورة مذهلة تنم عن وعي غير مسبوق بهذه القضية، مما جعل المدافع في وضعية حرجة، أخذ يبرر المصاريف وغلاء المدارس واستغلال الأطفال بحجج واهية لا يصدقها من له عقل سليم، منها أداء أجور الأساتذة ومصاريف الأدوات البيداغوجية، وهذا لعمري عين الكذب، لأن أغلب الأساتذة ليسوا أجراء بل أغلبهم متطوعين في سبيل الله أو هكذا يقال لهم، ولا يتقاضون إلا مبالغ زهيدة جدا في هذه الجمعيات. في حين أن مبالغ طائلة تبقى في جيوب المسؤولين. أما مسألة الأدوات البيداغوجية فهي سبورة وطبشور، وفي أحسن الأحوال قلم وسبورة بيضاء. باستثناء مدرسة أو مدرستين من استطاعت أن تزود أقسامها ببعض المعدات البيداغوجية. وما يزيد الطينة بلة، المعاملة السيئة بين المدرسين والإدارة من جهة، وبين المدرسين والتلاميذ من جهة أخرى، فلو كان الجو تربويا فعلا ومهنيا صرفا لكان جو الاحترام هو السائد، مما يؤثر على المردودية التربوية، وعلى التحصيل اللغوي للتلاميذ، مما يؤدي إلى النفور من هذه المدارس من طرف الناشئة الصغار ولا يأتون إلى المدارس إلا مكرهين من طرف الآباء. إذن ها هو البديل التربوي والبيداغوجي لتعليم اللغة العربية كلغة حية، وبصورة مهنية وبأساليب تعليمية وبرامج تدريسية وفي مؤسسات رسمية بين أيدينا اليوم، ومن الواجب على كل من له غيرة على هذه اللغة وعلى هذه الهوية الثقافية أن يدعم هذه المبادرة بما أوتي من إمكانيات ووسائط.

ــ يتبع ــ

*********
ذ. محمد الحراق
باحث في التعليم والتربية
أستاذ اللغة العربية للكبار والصغار بمركز
ثقافي بلجيكوـ عربي بالمنهج الأوربي
لتدريس اللغات الأجنبية.


0 commentaires:

Enregistrer un commentaire

 
Top