قرأت مقالا للمؤرخ عبد الله بوصوف كتبه عن المغرب واعتمد في إعداده على تقارير منظمات دولية تنقل الحقيقة كما هي، الأسباب والدواعي الذي جعلته يعتمد هذه التقارير وربطها مع الخطاب الملكي الأخير الذي أقر فيه الملك على فشل المبادرة الوطنية للتنمية البشرية والذي أجمعت كل التقارير التي اعتمدها على انتشار الرشوة، وغياب المساواة بين الرجل والمرأة، وصعوبة تنفيذ الخطة الوطنية لمحاربة الرشوة التي لازالت تنخر الإدارة المغربية. 

إشارة واعتماد بوصوف على تقرير منظمة الشفافية الدولية عن المغرب، هو في الحقيقة ثورة على الفساد الموجود وإساءة في نفس الوقت للمجهودات والسياسة التي ما فتئ جلالة الملك منذ توليه عرش الحكم في المغرب في سنة 1999. وهو بهذا يخرج إلى صف الذين سكتوا عن الفساد حقبة زمنية ونطقوا بالحقيقة وما يجري على الأرض بعد تصريحات الملك في فشل المخطط التنموي لأسباب ذكرها وأكدتها تقارير المنظمات الدولية التي اعتمدها بوصوف، والتي وإن كانت تقول الحقيقة فإنها في الغالب تسيئ للمغرب، ولا تشجع المستثمرين ولوج الساحة المغربية بانتشار الرشوة وغياب الشفافية واستقلال السلطة القضائية والمساواة بين الرجل والمرأة. 

والسؤال الذي يجب طرحه، هل اعتماد بوصوف على تقارير المنظمات الدولية التي ذكرها بالاسم والتي في غالبيتها أعدت تقارير سوداء، تخدم النموذج التنموي الجديد الذي يريد الملك إرساء معالمه بعد خطابيه الأخيرين؟ إن اعتماده على تقارير المنظمات التي ذكر هو في الحقيقة أسلوب يؤكد فيه ممارسات حاصلة ونقدا ذاتيا للسياسات العامة، لكنه لا يطرح تصورا بديلا ولا نلمس منظورا واقعيا أو مقترحات يمكن اعتمادها لتصحيح صورة المغرب في عيون المنظمات التي تراقبه وتخرج بتقارير غير مشجعة عنه وتجعله يقبع في آخر المواقع في جميع المجالات، في محاربة الرشوة في القطاع التعاضدي وتقديم الخدمات الصحية في التنمية البشرية، في التعليم وانتشار الأمية. 

والذي أغفل بوصوف معالجته في مقاله، هو التحدث بلغة الأرقام الذي تحدثت عنه المنظمات الدولية، أكيد أن الضامن لجلب الاستثمار وتوفير أكبر عدد من فرص الشغل هو الاستقرار في البلد، لكن أين كان الأستاذ بوصوف كل هذه السنوات ولماذا يكشف هذه المعطيات الآن فقط بعد أن أقر الملك فشل المبادرة الوطنية للتنمية. 

لقد اختلفت مع رئيس الحكومة المغربية جملة وتفصيلا في تقديمه للتصريح الحكومي لهذه السنة، وقلت فيه بأن الذي يعرقل الاستقرار في المغرب، هي السياسة التي ينهجها رئيس الحكومة ونهجها سابقه وهي شغب فريقه في البرلمان وهي كذلك غياب الانسجام في حكومته وهي كذلك سياسة القروض المتراكمة وتطبيق تعليمات صندوق النقد الدولي، ثم هي الاحتقان المتواصل في البلاد، والذي أصبح يسيئ لصورة البلاد ولا يشجع على الاستقرار وجلب الاستثمار الذي هو ضامن.

الاستقرار من خلال أولا حل مشكل المتعاقدين وضمان مجانية التعليم وتحسين ظروف المشتغلين في القطاع، ثم موضوع مهم لم يجرئ بوصوف التحدث عنه هو ملف الريف الذي ينحدر منه، ولا يريد الخوض فيه والمساهمة في إيجاد حلول له لاسيما بعد بيان زعماء الحراك الأخير الذي يعتبر حدث طارئ مهم قد يؤجج حركة الاحتجاج والتضامن مع زعماء حراك الريف وجرادة. نحن فعلا بحاجة لاستقرار في المغرب وعلينا أن ننظر إلى ما يجري حولنا، لسنا بحاجة لخروج أمواج بشرية تطالب بإطلاق سراح المعتقلين وتوفير الشغل للمحتجين وضمان عيش كريم لكل مواطن، علينا جميعا أن نسابق الزمن ونقطع الطريق على كل الجهات الخارجية آلتي تريد زعزعة استقرار المغرب، وتنشر الفوضى الخلاقة، والاستثمار يأتي بالاستقرار في البلد، برفع الظلم عن طريق القضاء العادل برفع الزبونية والمحسوبية بتقاسم الثروات وليس عن طريق تهريب الأموال للخارج بخدمة أجندة وطنية وتنفيذ سياسة عليها إجماع وليس تنفيذ أجندة خارجية تسعى لزعزعة استقرار البلاد وضرب الوحدة الوطنية. 

المغرب قادر على تجاوز المرحلة بعزيمة رجاله، وبالجرأة في اتخاذ القرار. الاستقرار رهان يجب أن يوفره الجميع ومن هذا المنطلق أعتقد أن إطلاق سراح معتقلي الحسيمة وجرادة هو البداية الحقيقية لإخراج البلاد من نفق لا نريد أن تدخله، قادرون على الخروج من دوامة الصراع لتحقيق الاستقرار الضامن الأساسي للاستثمار، وإذا وصلنا إلى ذلك استطعنا تجاوز مرحلة عصيبة من تاريخ المغرب. 

هذه الحقيقة كما يراها العديد لاكما يراها الأستاذ عبد الله بوصوف الذي لازال يلتزم الصمت في كل ماله علاقة بالريف وأحداث الحسيمة وتطوراتها.

حيمري البشير 
كوبنهاكن الدنمارك 




0 commentaires:

Enregistrer un commentaire

 
Top