هناك فرق كبير بين ما تسعى إليه دول في المشرق حاليا وما يريده المغرب ملكا وحكومة وشعبا. المغرب دولة ذات حضارة عمرها 14 قرنا، موقعها استراتيجي على بعد أميال من أوروبا، اهتم دائما في تطوير علاقته بها على رصيده التاريخي واستقراره بناه بواسطة أمنه الروحي. 

أوروبا التي كانت دائما حريصة على التقارب معه من خلال فترة استعمارية لم تعمر طويلا بمقاومة المغاربة الأحرار واقتنعت بشراكة متقدمة معه تخدم مصالح الطرفين معا. المغرب في نظرها رقم صعب ويجب أن يبقى كالصخرة التي تنكسر عليها أمواج بشرية الآتية من الجنوب والمتجهة نحو الشمال والباحثة عن أفق أفضل. وبقي المغرب عبر التاريخ بلد التعدد الثقافي والتعايش والتسامح وهذا الذي يميزه عن المشرق. 

أوروبا حريصة على ضمان استقراره ووحدته كما هو حريص على حماية أمنها ومصالحهما الاقتصادية المشتركة، ليس فقط أوروبا ولكن حتى الولايات المتحدة الأمريكية التي يهمها استقراره والمناورات العسكرية الجارية حاليا على الأرض المغربية بين البلدين عربون اهتمامها لاسيما بعد تنامي ظاهرة التطرف والإرهاب الذي استهدف العديد من الدول الأوربية، وتأسيس بلادنا لمؤسسة محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين من مختلف الدول الإفريقية مبادرة أزعجت العديد من الدول في المشرق التي تحاول أن تكون لها الريادة في محاربة التطرف والفكر الوهابي وهي آلتي صنعته. 

المغرب منذ مئات السنين كان حريصا على عدم التدخل في شؤون الغير، وطبيعي أن ينزعج دائما في تدخل دول أخرى في شؤونه. ليس هناك أوجه المقارنة بينه وبين دول شرق أوسطية بنت مجدها على عائدات البترول، دول حديثة كانت إلى عهد قريب قبائل رحل في صحراء قاحلة، شعوب مستهلكة لما تنتجه الحضارة الغربية، تمتلك المال الذي تستعمله في شراء ما تنتجه المصانع الغربية وفي التآمر وإذاية الآخر وإذا تمعنا في بؤر التوتر المشتعلة فسنجد أن لها يد فيها بل هي عبارة عن محميات أمريكية، لا تمتلك سلطة القرار بيدها وإنما كل القرارات التي تتخذها تتم بموافقة البيت الأبيض الأمريكي. 

التطورات التي تعرفها الساحة العربية بالخصوص بينت بالملموس أن هناك شرخ في العلاقات التي تربطه بالعديد من الدول، وعندما ساءت علاقاته مع دول له معها حدود فكان السبب واضح. التدخل في شؤونه الداخلية والتآمر على وحدة ترابه ومحاولة قلب نظامه وزعزعة استقراره، الجزائر وليبيا في عهد القذافي وهي اللتان مولتا البوليساريو، دول شقيقة لنا معها حدود مشتركة تربطنا بها روابط الأخوة والدين والعروبة، ودول بعيدة عن محيطنا المغاربي، لم يرقها تمسك المغاربة بإمارة المؤمنين وضامن استقراره الروحي من كل فكر متشدد. 

المشهد السياسي يوضح توتر بين المشرق والمغرب من خلال رفض المغرب تنظيم وحضور القمم العربية آلتي كان في الرياض والأردن ورفض تنظيمها في المغرب ولم يحضرها بنواكشوط وتونس وهو الذي كان دائما سباقا للدعوة لها وللمشاركة فيها والخروج بقرارات منها بقيت تاريخية ليس فقط القمم العربية ولكن حتى الإسلامية، ومنها انبثقت لجنة القدس ودعم الشعب الفلسطيني في مقاومته للاحتلال.

المغرب يأسف للوضع العربي المتشرد والتحالفات الهجينة التي أصبحت والمجازر التي ارتكبت ومازالت في اليمن وسوريا وقبلها العراق ويشعلونها مرة أخرى في ليبيا للإجهاز على اتفاق الصخيرات ويبدو الدعم الإماراتي واضح في ليبيا وبدعم مصري. هذه هي الصورة المقززة و المؤلمة آلتي أصبح عليها العالم العربي والتي للمغرب موقف منها قيادة وشعبا والقادم أعظم بالتوتر الذي تعرفه الجزائر وبدعم إماراتي كذلك بعد تردد قائد الجيش عليها وقضاء عطله بها. وهي رسائل تستمر الإمارات إرسالها للمغرب وعلى حدوده الشرقية، لكن يبدو أن دور الإمارات العربية في إثارة القلائل وإشعال الفتن بالفوضى الخلاقة سيصطدم بوعي الشارع الجزائري الذي رفض لحد الساعة استمرار قيادة الجيش للإصلاح لاسيما وأنه كان جزئ من النظام المنتهي.

إن محاولة الإمارات والسعودية قيادة العالم العربي بمشروع يشبه إلى حدما نظام الخلافة العثمانية والتي توقفت عند الحدود المغربية الجزائرية بتلمسان يستهدف بالدرجة الأولى المغرب وإذا كان عصيا على الدولة العثمانية فسيكون عصيا كذلك على الدولتين السالفة الذكر اللتان تنفقان أموالا طائلة لكسر شوكة المغاربة، ومع كامل الأسف أن الملك المغربي كان صريحا وجريئا في خطاب له في قمة مجلس التعاون الخليجي سنة 2016 حيث نبه المشاركين في القمة لخطورة الوضعية التي نعيشها وقد كان سباقا للتنبئي بها لبعد نظره وللرؤيا التي يحملها، فالمال الذي تستعمله الدولتان معا لضرب القيم التي حرص عليها ديننا الحنيف غير قادرة به على مواجهة السياسة التي بنى عليها المغرب حضارته منذ آلاف السنين. 

حيمري البشير 
كوبنهاكن الدنمارك



0 commentaires:

Enregistrer un commentaire

 
Top