إن تصريحات برنار كودار الملقب بإسلام فرنسا والذي هو موظف سامي بوزارة الداخلية الفرنسية والعلبة السوداء للإسلام في فرنسا في البرنامج الإذاعي بالأمس، تدفعنا للكشف عن الكثير من المعطيات آلتي بدأت تظهر للعيان. وهو الذي رفض بصريح العبارة كل تدخل أجنبي في شؤون فرنسا، وعندما يؤكد هذا يعني لا ينظر بعين الرضَى لخروج بعض مسؤولي دول الخليج بتصريحات لقنوات إعلامية دولية بحيث. 

أصبحت الإمارات العربية المتحدة تتدخل فيما لا يعنيها عندما تتطاول في شؤون دول أوربية، ومن بينها فرنسا التي تعيش على أراضيها جاليات مسلمة بدافع محاربة التطرف، برنار كودار الذي كان على علاقة مع كل الوجوه المغربية التي تشتغل في الشأن الديني، لن يتقبل ما يراه الآن من تدخل خارجي وبالخصوص المجلس العالمي للمجتمعات الإسلامية الذي أطلق مشروعا يريد من خلاله لعب دور في الإسلام الأوربي. 

في أي إطار سيتدخل هذا المجلس في شؤون أقليات مسلمة تعيش في أروبا والتي قال عنها رئيس المجلس العالمي للمجتمعات الإسلامية بأنها تعاني من مشكلة حقيقية في الاندماج، وأن ظاهرة التطرف التي أصبح عليها مسلمو أروبا هي التي ولدت ظاهرة الإسلاموفوبيا والكراهية، ونسي أن مصدر التطرف هو الشرق الأوسط والفكر الوهابي. وعندما ينتقد المسلمين بعدم الاندماج، ويريد أن يعطيهم الوصفة المساعدة من خلال إعادة النظر في برامج التعليم فإن هذا تدخل سافر في شؤون الدول. 

ليس ذلك فقط فهو يدعو لاندماج المسلمين في الدول التي يعيشون فيها ودعم حقوقهم وهو بذلك يتسم بالازدواجية في الخطاب. نسي أن كل الدول لم تمهل مسألة الاندماج وأن عديد المواطنين المسلمين نجحوا في ميادين عديدة وأصبحوا يتحملون مسؤوليات حكومية في العديد من الدول الأوربية وهذا هو مقياس الاندماج الحقيقي. ثم يعود من جديد ليطرح مسألة المواطنة ويدعو المسلمين للولاء للبلدان التي يعيشون ويريد مرة أخرى أن يعطي دروسا للأجيال التي ازدادت في أوروبا بأن تدين بالولاء لبلدان الإقامة وهي أصلا لا يربطها أي رابط ببلدان أجدادها لأن الهجرة إلى أوروبا تجاوزت أربعة أو خمسة عقود. 

وعندما يتحدث عن الدولة الوطنية ويقول بأنها هي المؤهلة لتجمع الجميع ويعتبر لتحقيق ذلك لآبد من أنظمة تعليمية ترسخ مفهوم الوطنية ويتحدث مرة أخرى على مفهوم التعدد والتعايش ويستعمل مصطلح حوكمة الشؤون الدينية، ولا أدري ماذا يقصد بذلك، هل يقصد أن يدخل مجلس المجتمعات الإسلامية الذي يرأسه شريكا في تدبير الشأن الديني في أروبا، وفي وضع برامج جديدة للتعليم لتحقيق الاندماج ومحاربة التطرف، ويدعو لكي يساير رجال الدين الزمان والمكان ويحافظوا على الإسلام الذي ورثوه وهو بذلك يتناقض مع نفسه ويغلق باب الاجتهاد الذي نحن في أمس الحاجة إليه وهو ضد الإسلام المستورد، وفي نفس الوقت يدعو للحفاظ على الإسلام الذي ورثناه عن أجدادنا وهذا خطاب مزدوج مرة أخرى. 

ثم يتحدث عن تجديد الخطاب الديني في الغرب والحاجة الماسة لتقديم ما يناسب الأجيال المزدادة في الغرب. من خلال تغيير المناهج التعليمية وإعادة تدبير الشأن الديني والتأكد من خطاب الأئمة وضرورة مواكبة الإعلام لذلك والابتعاد عن تسيس الدين. 

إن خطاب رئيس مجلس المجتمعات المسلمة في العالم يحمل رسائل ملغومة للدول الأوربية التي تعتبر ذلك تدخل في شؤونها وفي شؤون مواطنيها، ولن تقبل بسياسة الإملاءات ولا إعطاء دروس في المواطنة والولاء. إن في الحقيقة هم مصدر الإرهاب والتطرف لأن الفكر الوهابي ورد من المشرق، وقيم التسامح والتعايش الذي يتحدث عنها ويريد تلقينها للمسلمين في أروبا من خلال برامج تعليمية، هو تدخل سافر في شؤون دول، تسعى لتحقيق الاندماج الذي تريد لكل الأجيال المزدادة على أراضيها ولن تقبل بأي مجلس ولأي جهة التدخل في شؤون التعليم ولا في تدبير الشأن الديني. 

وعندما يدعو لتسويق النموذج الروسي في التدين لأنه يلح على التسامح والتعايش ونسي أن الغالبية من الذين يعيشون في أروبا هم من أصول مغاربية وإفريقية، فهو يقلل من قيمة النموذج المغربي في التدين المبني على الوسطية والاعتدال.



في اعتقادي أن مجلس المجتمعات الإسلامية يستهدف بمشروعه النموذج المغربي للتدين في غياب جاليات تنتمي للإمارات أو دول خليجية أخرى في أروبا وفي تدخله في شؤون الأقليات في أروبا من وجهة نظره وهي مختلفة عن وجهة دول الإقامة الذين تعتبر المسلمين على أراضيها مواطنين لا فرق بينهم وبين المواطنين الأصليين، ومن هنا يتبين المخطط الذي تحدثت عنه بعد اللقاءات المشبوهة التي تعقد في بعض الدول الأوربية ومن بينها الدنمارك. 

إن في الحقيقة مشروع قانون الذي تقدمت به الأحزاب الدنماركية أمام البرلمان هو مشروع متقدم سيضع حدا لتدخل جهات خارجية في شؤون الأقليات المسلمة وبالخصوص تدبير الشأن الديني. 

حيمري البشير 
كوبنهاكن الدنمارك 

0 commentaires:

Enregistrer un commentaire

 
Top