في حوار مع جريدة "الأحداث المغربية" منشور في عدد 6698 الصادر بتاريخ 18-19/12/2018، الأستاذ الجامعي المختص في شؤون الهجرة قال إن المغرب لا يتوقف دروه على الصعيد الداخلي فقط، بل أصبحت له مسؤولية على صعيد القارة الإفريقية. حاوره : رضوان البلدي. 

"الأحداث المغربية": توج المؤتمر الحكومي الدولي حول الهجرة ؛ الذي احتضنته مدينة مراكش بالمصادقة الرسمية على الميثاق العالمي من أجل هجرة آمنة و منظمة و منتظمة ... و في خضم هذا الحدث التاريخي وجه العاهل المغربي الملك محمد السادس رسالة إلى المؤتمر... ماهي دلالات و رسائل هذه الرسالة ؟ 

عبد الكريم بلكندوز: حملت الرسالة الملكية للمشاركين في المؤتمر الدولي الدولي حول الهجرة، عدة دلالات أولها أن مسالة الهجرة لايمكن أن تنحصر فقط في بعده الأمني، أي أنها في الجوهر لا ينبغي أن تتوقف عند حدود المقاربة الأمنية، لأن من شأن ذلك أن لا يأخذ بعين الاعتبار حرية تنقل الأشخاص والتي تعد من الحقوق الأساسية التي نص عليها الميثاق العالمي لحقوق الإنسان، وبالتالي فمسألة الهجرة، هي قضية تحتاج إلى مقاربة متوازنة تستحضر لكونها متعددة الجوانب، بحيث يتداخل فيها ماهو اقتصادي وماهو اجتماعي، وكذلك ماهو بيئي، بالإضافة إلى ماهو جيو ستراتيجي، واستحضار كل هذه الأبعاد في التعاطي مع قضية الهجرة، لا ينبغي أن يتوقف على الصعيد العالمي، بل لابد كذلك أن يطال الصعيد الوطني. 

أما الدلالة الثانية التي تضمنتها الرسالة الملكية الموجهة إلى المشاركين في المؤتمر الحكومي الدولي حول الهجرة ؛ الذي احتضنته مدينة مراكش وتوج بالمصادقة الرسمية على الميثاق العالمي من أجل هجرة آمنة و منظمة و منتظمة، فتكمن في أن الهجرة هي قضية عالمية متعددة الأطراف، وأن إيجاد حل أو حلول لها لا يمكن أن يكون إلا في هذا الإطار، أي أن كل دول العالم، وبدون استثناء، هي معنية بشكل أو بآخر، بهذه القضية، وبالتالي يتوجب عليها الانخراط في الجهود المبذولة من قبل المنتظم الدولي، وفي هذه الدلالة التي تضمنتها الرسالة الملكية، انتقاد غير مباشر التي تغيبت عن هذه التظاهرة الدولية، التي تميزت بحضور أغلب دول العالم، أي أنه لا يمكن لأي طرف، كيف ما كان، أن يتهرب من تحمل المسؤولية في هذا الملف الشائك، الذي يحتاج تضامن جماعي يشارك فيه الجميع، وليس تحميل المسؤولية لطرف دون الآخر، حيث لا يوجد في العالم بلد غير معني بالهجرة، فإذا لم يكن بلد استقبال للمهاجرين، قد يكون بلدا مصدرا للهجرة، أو بلد عبور، وبالتالي ما جاء في الرسالة الملكية، هو انتقاد واضح للدول غير الموقعة على الميثاق العالمي من أجل هجرة آمنة ومنظمة ومنتظمة، وذلك في إشارة إلى الولايات المتحدة الأمريكية ودول أخرى. 

وأما بخصوص الدلالة الثالثة التي جاءت في مضمون الرسالة الملكية، وهي أن إفريقيا سيكون لها دور فعال في مجال الهجرة، وذلك الميثاق الإفريقي للهجرة، الذي قدمه الملك في دورة الاتحاد الإفريقي المنعقدة في أواخر يناير 2018، بحيث أن الآليات التي نص عليها هذا الميثاق خلق مرصد للهجرة، هذا الأخير، بسحب الميثاق، لن يكون فقط بنكا للمعلومات، وإنما ستوكل له مهام كثيرة، خصوصا على مستوى الرقابة والحمامة. 

وأما آخر الرسائل التي جاءت في الرسالة الملكية، فتتجلى في المكانة التي يجب أن تعطى للشباب، يعني أن الفئة المعنية بالدرجة الأولى بموضوع الهجرة، هي فئة الشباب، وبالتالي على جميع الدول أن تعمل في هذا الاتجاه، سواء تعلق الأمر بالحاضر أو المستقبل، وهنا لابد من التوقف عند الجهود التي بذلها المغرب في هذا السياق، وإن كانت جهودا متواضعة، مقارنة بحجم التحديات وما تتطلبه من ترسانة قانونية، إذا لابد من الإشارة إلى عمليتي التسوية التي قام بهما المغرب، بخصوص المهاجرين الأفارقة المقيمين فوق أراضيه بشكل غير قانوني، إضافة إلى قانون الهجرة واللجوء، وبالتالي فالمغرب، في مجال الهجرة، أصبح رائدا على المستوى الإفريقي، هذا بالإضافة إلى التزاماته في المجال على الصعيد الدولي. 

ما الذي يعنيه نجاح مؤتمر مراكش في المصادقة على الميثاق العالمي من أجل هجرة آمنة و منظمة و منتظمة للعالم ؟ وما الذي يعنيه بالنسبة للمغرب و دوره في مجال الهجرة ؟ 

ما دام أن أغلبية دول العالم قد صادقت على الميثاق العالمي من أجل هجرة آمنة ومنظمة ومنتظمة، في مقابل أقلية قليلة رفضته، فهذا في حد ذاته، يعتبر نجاحا كبيرا للأطراف التي تبذل مجهوذات من أجل التعاطي مع ظاهرة الهجرة بشكل قانوني وإنساني محاولة إيجاد الحلول. 

أما ماذا يعني ذلك بالنسبة للمغرب، الذي أصبح لاعبا مهما في المجال، وهنا نعود إلى دوره على المستوى الإفريقي، أن المغرب لن يتوقف دوره على الصعيد الداخلي فقط، بل أصبحت له مسؤولية على صعيد القارة الإفريقية، حيث سبق له أن قدم أجندته لإفريقيا، في ما يخص الهجرة، في دورة الاتحاد الإفريقي المنعقدة في أواخر يناير 2018 ، وتعتبر هذه الأجندة بمثابة ميثاق، هذا الميثاق جاء باقتراحين في غاية الأهمية، يتعلق الاقتراح الأول في تعيين مبعوث خاص للاتحاد الافريقي في مجال الهجرة، ثم الاقتراح الثاني يتمثل في خلق مرصد إفريقي للهجرة، والذي تمت المصادقة عليه في القمة الافريقية الأخيرة التي انعقدت بنواكشوط، والتي تبنت مقترح المغرب القاضي بانشاء مرصد افريقي لمكافحة الهجرة، وللإشارة فإن هذا المرصد سيكون له دور جد مهم، بحيث لن يكون فقط بنكا للإحصائيات، إذ سيعمل على على تطبيق الأجندة التي قدمها المغرب، وأن يقوم بدراسات ويعمل على انجاز تقارير لمعرفة الواقع، لأن الهجرة ليست مسألة أرقام فقط، بل فيها مسائل كمية وأخرى نوعية وتتداخل فيها جوانب اقتصادية واجتماعية وسياسية وبيئية وجيوستراتيجية، فالأمر يتطلب كفاءات من جميع فروع العلوم الاجتماعية، وبالتالي فالمرصد سيكون إطارا للحوار والتشاور ويجب أن يتضمن جميع الأطراف التي لها علاقة بالهجرة كالشباب والنساء والنقابات وغيرهم، ولهذا فالمرصد يعتبر أحد أهداف الميثاق العالمي للهجرة، إذ أن إنشاء هذا المرصد، الذي سيكون مقره بالرباط سيمكن من ضمان هجرة منظمة وآمنة للشباب بعيدا عن مخاطر شبكات مهربي المهاجرين والاتجار بالبشر، والتي تشكل تهديدا حقيقيا للسلام والأمن في إفريقيا،كما سيعهد لهذا المرصد الذي سيركز عمله على ثلاثية الفهم الاستباق والعمل بجمع المعلومات وتطوير تبادل المعطيات والتنسيق بين الدول الافريقية. 

برأيك ؛ ما هي الخطوات المقبلة لتفعيل هذا الميثاق التاريخي على الأرض ؟ و كيف سيساهم المغرب في هذه العملية؟ 

انطلاقا من سبق ذكره، لا ينبغي أن ننسى أن من نواقص الميثاق العالمي للهجرة، التي تبنته قمة مراكش، أنه غير ملزم للدول، أي أنه لا يلزم بأي إجراءات، فهو اختياري، وهذا يعني أن الدول تبقى حرة في الالتزام بما جاء فيه، وهذا في صالح دول الشمال المصنعة، فمثلا إذا أخذنا الجوانب الأمنية، فهنا نجد أن دول الشمال تبدي تحفظات بعكس دول الجنوب، حيث إن دول الشمال المستقبلة للمهاجرين، تشترط مراكز الإيواء بدول المصدرة للهجرة أو دول العبور وليس على أراضيها، كما أن المهاجرين الذين يتم توقيفهم، في ترفض أن يتم اقتيادهم نحو أراضيها، وتفضل إرجاعهم إلى البلد الذي انطلقوا منه، وكما هو معلوم المغرب سبق له أن رفض، أكثر من مرة ذلك نفس الشيء بالنسبة لتونس. 

أما في ما يتعلق بالمساهمة التي ينتظر من المغرب القيام بها في هذا الاتجاه، فبالنسبة للمغرب، فإلى جانب التزامه الدولي في إطار الميثاق الدولي للهجرة، هناك الالتزام الافريقي، حيث أنه معني أكثر، لأنه هو من قدم الأجندة ويجب أن يعطي المثال، وذلك من خلال تأهيل ترسانته القانونية أكثر ليساير هذه التحولات والسياسات الجديدة والتي يجب أن ترتكز على قوانين ملائمة، كما أن اهتمامات المغرب في مجال الهجرة يجب أن تركز على هجرة المغاربة المقيمين بالخارج وإذا بإعادة النظر في المؤسسات التي تعنى بشؤونهم، والتي لم تقدم أية قيمة إضافية مند تأسيسها. 



0 commentaires:

Enregistrer un commentaire

 
Top