تشير الاحصائيات الحديثة، التي قدمتها اللجنة الأوربية ضمن ” تقريرها المرحلي عن الأجندة الأوربية بشأن الهجرة”، أن المغرب يوجد على رأس الدول المصدرة للهجرة المتوسطية، بينما تقول منظمة الهجرة الدولية إن المغاربة يتربعون على عرش المهاجرين السريين الذين وصلوا، بحرا (دون الحديث عن سبتة ومليلية) إلى أوروبا.

لكن الوزير المكلف بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني، الناطق الرسمي باسم الحكومة السيد مصطفى الخلفي، قدّم معطيات رقمية مبتورة للتقليل من حجم ظاهرة الهجرة السرية أو ما بات يعرف لدى المغاربة ب”الحريك ” مؤكدا على تراجع نسبة المغاربة ضمن المرشحين للهجرة غير الشرعية إلى 13 في المائة، نهاية غشت 2018، بعد أن بلغت 20 بالمائة في الفترة ذاتها من 2017. ومعلِّلا ذلك بالقول “هناك فرص شغل وإمكانات هائلة مطروحة الآن “

وبعيدا عن أرقام الخلفي المضلِّلة، ها هي مواقع التواصل الاجتماعي تطلعنا يوميا على عشرات الفيديوهات الموثِّقة لعملية تهجير المغاربة ، وهي تغني عن كل بيان. فالحقيقة التي باتت مؤكدة ولا تقبل أية مزايدات، هي أن 91% من المغاربة – كما كشفت نتائج استطلاع أنجزه موقع Rekrute.com المتخصص في عروض العمل والوظائف- مستعدون لمغادرة البلاد والاستقرار خارج المغرب.

السؤال الذي أصبح ملحّا، وأصبح يفرض إجابة واضحة وصريحة هو: لماذا يغامر المغاربة بأرواحهم ويركبون قوارب الموت وهم يعلمون أن مغامرتهم هاته محفوفة بالمخاطر؟

فهل المغرب يعيش حربا أهلية، دفعت أهله إلى النزوح خوفا من ويلات الحرب؟ أم أنه تعرض لكوارث طبيعية ” زلازل، فيضانات، أعاصير، جفاف… جعلتهم يهربون من مخاطرها وتداعياتها كالمجاعة وغيرها؟

كلا ثم كلا فالمغرب بلد آمن من الحروب وآمن – بإذن الله – من الكوارث الطبيعية، والحمد لله، وهو غني بثرواته المادية و المعنوية. لكن لماذا؟؟

سؤال حارق يبعث على الألم والأسى…

وبدل أن يعكف المسؤولون لإيجاد الجواب والدواء، تجدهم يهربون إلى الأمام بادعاء أن الجهات التي أنجزت تلك التقارير والاحصائيات ما هي إلا منظمات مسخُّرة تستهدف المغرب، بغية التشويش عليه وعلى إنجازاته العظيمة.

إن مثل هذه الخطابات لم تعُد تجدي نفعا لمواجهة الظواهر السلبية التي أصبح المغرب يعيش تحت وطأتها، خاصة بعد سنة 2012 أي منذ تولي حزب العدالة والتنمية قيادة الحكومة.

وأظن أنني لا أتجنى على الحقيقة إن قلت: إن الأداء الحكومي سواء في نسخته الأولى مع عبد الإله بنكيران، أو الثانية مع سعد الدين العثماني، قد اتسم بالتردد و التعثر سيما في المجال الاجتماعي والاقتصادي، واتسم كذلك بالعجز على إبداع و ابتكار الحلول الناجعة لحل مشاكل المغاربة، وعدم القدرة على وقف نزيف صناديق الدولة واسترجاع ما نُهِب من أموال خلال العقود الماضية، على الرغم من الصلاحيات الواسعة التي منحها دستور 2011 لحكومتهم .

لقد رفع بنكيران عبارته الشهيرة ” عفا الله عما سلف ” في وجه التماسيح والعفاريت وبالمقابل فرض على المواطن البسيط، وعلى الطبقة المتوسطة مزيدا من الضرائب المباشرة وغير المباشرة باعتبارهما الطرف الأضعف في المعادلة، الشيء الذي أدى إلى ارتفاع تكاليف المعيشة، وارتفاع نسبة البطالة، فكان طبيعيا أن يلجأ المغاربة إلى البحث عن فرص العيش الكريم في أرض الله الواسعة، نتيجة انعدام فرص الشغل، وسيطرة اليأس عليهم في غد أفضل.

الآن، هناك آلاف المغاربة الذين يشعرون أنهم يعيشون في جحيم، يقفون على ضفة البحر الأبيض المتوسط يمنون النفس بفرصة سانحة لمغادرة الوطن و الهروب إلى أوروبا بحثاً عن فرصة عمل، و مستقبلٍ أفضل.

وفي الجانب الآخر هناك صراخ الأمهات الثكالى يرفعن أصواتهن بالنداء إلى المسؤولين من أجل إنقاذ أبنائهن من ركوب قوارب الموت…

كتب أحد الشباب رسالة إلى أمه، وهو على متن القارب إياه يقول: ” أنا آسف يا أمي لأن السفينة غرقت بنا ولم أستطع الوصول إلى هناك، كما لن أتمكن من إرسال المبالغ التي استدنتُها لكي أدفع أجر الرحلة.

لا تحزني يا أمي إن لم يجدوا جثتي، فماذا ستفيدك الآن إلا تكاليف نقل وشحن ودفن وعزاء.

رجاء أنقذوا الوطن من الضياع !

بوشعيب أمين
إيطاليا


0 commentaires:

Enregistrer un commentaire

 
Top