في البدایة لابد من التذكیر على أن مجلس الجالیة المغربیة بالخارج ھو مكسب حُقِّقَ كتجسید للإرادة الملكیة التي عبر عنھا صاحب الجلالة في خطابه التاریخي في 6 نوفمبر 2005، وكنتیجة نضالات النسیج الجمعوي المغربي الدیمقراطي في الخارج، أیَّدته في ذلك الوقت القوى الوطنیة والتقدمیة داخل المغرب، ومن ھذه القوى حزب الاستقلال الذي كان سباقا لوضع مقترَحیْْن قانونیین في البرلمان في ھذا الاتجاه، الأول في 1990 والثاني في 2004 بھدف تأسیس مجلس للجالیة دیمقراطي شفاف ذو نجاعة ومنتخب بالنسبة لتمثیلیة الجالیة. 

فإذا انصب النقاش حالیا على ھذه المؤسسة وأخذ من عدة أوساط صبغة نقدیة مع تقدیم اقتراحات بدیلة، فھذا لا یعني بطبیعة الحال أن من یساھم في ھذا النقاش ھو ضد المجلس. فالتقییم لیس موجه للأشخاص في حد ذاتھم، ولكن منصََب على أداء ھذه المؤسسة وعلى نوع من التسییر وحول السیاسة المتبعة من طرف المسؤولین الحالیین داخل المجلس. 

لتقییم عمل مؤسسة ما، یجب الأخذ بعین الاعتبار المدة الزمنیة والنتائج الملموسة المحصل علیھا انطلاقا من المھام والواجبات والأھداف المسطرة لھا رسمیا. 

بالنسبة لمجلس الجالیة، الذي أُنشئ عبر الظھیر رقم 1.07.08 بتاریخ 21 دجنبر 2007، أي منذ 5 سنوات، ھناك بعض التساؤلات التي تطرح نفسھا بإلحاح: ھل المسؤولون في المجلس قاموا بواجبھم على أكمل وجه ؟ ھل ھناك قیمة مضافة في ھذا المجال أم لا؟ ھل الوظائف التي خُلِقَ من أجلھا المجلس أنجِزََت، وھل تحققت الأھداف المحددة قانونیاً ؟ 

طبعا، لا یمكن القول بأن المجلس لم یقم بأي شيء یذكر على الإطلاق، فقد نظم أنشطة ثقافیة من خلال عقد لقاءات وندوات وأصدر كتبا وقدمھا في معارض، وحرك شیئا ما النقاش في بعض إشكالیات الھجرة التي كانت مطروحة منذ زمان على الصعید الأكادیمي. ھذه الجوانب الإیجابیة یجب أخذھا بعین الاعتبار في التقییم العام، لكن الأھم من ھذا ھو تقییم عمل المجلس انطلاقا من المھام الرئیسیة المنوطة به. 

فالمھمة الأولى للمجلس ھي مھمة استشاریة، تتمثل في ضمان المتابعة والتقییم للسیاسات العمومیة المغربیة الموجھة للجالیة المغربیة بالخارج بھدف تحسین ھذه السیاسات وضمان حقوق المواطنین المغاربة بالخارج وتكثیف مشاركتھم في التنمیة الدیمقراطیة والاقتصادیة والاجتماعیة والثقافیة للمغرب. ھذه المھمة الأولى تتبلوَرُ عبر ضرورة رفع آراء استشاریة لجلالة الملك حول ھذه المواضیع الواسعة كما جاء في المادة الثانیة من الظھیر المؤسس. 

المھمة الثانیة للمجلس ھي مھمة استشرافیة، أي الإحاطة بإشكالیات الھجرة وتطوراتھا واستشرافھا في المدى المتوسط والبعید، والدراسة الاستباقیة لنتائج ھذه التحولات على الجالیة وعلى المغرب حتى یمكن مواجھتھا بصفة استباقیة، وتتجسد ھذه المھمة حسب الظھیر في ضرورة تھییئ ورفع تقریر استراتیجي لجلالة الملك ،یحلل فیھ اتجاھات الھجرة المغربیة وإشكالیاتھا الخاصة. 

فبعد خمس سنوات من إنشاء مجلس الجالیة، نلاحظ أنه لم یقدم لحد الآن ولو رأیا استشاریا واحداً، ولم یقدم أي تقریر استراتیجي. إذاً، ھناك خلل ما وأعتقد أن ھذا لیس ضرباً أو استصغاراً للأشخاص أو نقدا مجانیاً أو سبّاً كما یقال لأنه لم یتم أي إنجاز من المھام الرئیسیة بمجلس الجالیة، وھذا یعني أن المسؤولین داخل المجلس لم یدبروا بكیفیة معقولة وبنجاعة القضایا المطروحة أمامھم، وھذا بكل موضوعیة وصراحة ما نعتبره فشلاً ذریعاً واضحاً في الأداء بالنسبة لقیادة المجلس التي تتكون بالأساس من الرئیس والكاتب العام والمدیر أو المنسق العام، أي مسؤولیة عدم القیام بالواجب یتحملھا الثلاثي برمته. 

أما فیما یخص الحكامة وقضایا أخرى للتسییر، فنلاحظ خرقاً سافرًاً للمادة 14من الظھیر الذي ینص على ضرورة تنظیم جمع عام سنوي لأعضاء المجلس كل شھرنوفمبر. 

فالجمع العام له دور جد مھم، لھ صلاحیة المصادقة على البرنامج السنوي لعمل المجلس والمیزانیة المخصصة له، وكذلك التداول في مشاریع التقاریر والتوصیات والآراء الاستشاریة المعروضة على المجلس من طرف فرق العمل الستة المختصة التابعة له. 

في ھذا الباب، نسجل على أن المجلس لم یعرف إلا جمعا عاما واحداً أثناء الانطلاق بتاریخ 6 و7 یونیو 2008. 

من جھة أخرى، حُدِّ دََت الولایة الأولى للمجلس المعین في أربع سنوات كفترة إنتقالیة وتنص المادة 25 من الظھیر على ضرورة رفع رأي استشاري فیما یخص مجلس الجالیة المقبل یھم كیفیة تكوینه وحصر اختصاصاته والتنصیص على كیفیة تدبیره، لكن بعد خمس سنوات، لم یقدم كذلك ھذا الرأي الاستشاري. 

إذاً على المسؤولین في المجلس أن یقدموا الحساب وأن یعترفوا بفشلھم ویقدموا استقالتھم. لكن عوض ذلك، مازالوا یرفضون تقدیم الحساب بالنسبة للجمع العام، ویتھربون من مسؤولیاتھم إزاء الدعوة التي وجھت لھم من طرف لجنة المالیة لمجلس النواب، ولا یقبلون المساءلة من لدن العدید من جمعیات الھجرة المغربیة والرأي العام الوطني بصفة عامة عبر الصحافة بالخصوص. 

الآن وقد وقعت لِحُسْْن الحظ دسترة مجلس الجالیة عبر المادة 163 من الدستور، ھناك ضرورة تھییئ مشروع قانون خاص بھذا الشأن مع تطبیق المنھجیة التشاركیة، أي ضرورة إشراك النسیج الجمعوي للمواطنات والمواطنین المغاربة بالخارج في بلورة ھذا المشروع قبل عرضه على البرلمان. 

إن الجھة المعنیة بتھییئ ھذا المشروع قانون ھي الحكومة ولیس مجلس الجالیة نفسه، نظرا لفشل مسؤولي ھذا المجلس لتقدیم رأي استشاري في الموضوع، وعدمقدرتھم على الحصول على نتائج إیجابیة في تسییر المؤسسة الإستشاریة. 

في ھذه الظروف، أظھرت الحكومة على انفتاحھا واستعدادھا للإنصات لجمعیات المغاربة بالخارج، كما وقع ذلك مؤخراً أثناء استقبال ممثلي بعض الجمعیات من لدن رئیس الحكومة ووزیر الخارجیة ووزیر الأوقاف ووزیر العدل ووزیر المغاربة المقیمین بالخارج. أما التحركات التي قام بھا بعض المسؤولین لمجلس الجالیة والتي توجت بلقاء الدار البیضاء لـ15 سبتمبر 2012 مع بعض الفاعلین الجمعویین في الخارج، فإنھا تدخل في إطار حسابات شخصیة ضیقة لتعزیز موقفھم داخل المجلس، ولضمان استمرارھم في قیادة ھذه المؤسسة مع ترقیتھم. كما تندرج ھذه المبادرات في إطار تدخلات بعض الأوساط الساعیة إلى التحكم في تكوین مجلس الجالیة المقبل، ضاربة عرض الحائط المنھجیة الدیمقراطیة وضرورة الوصول إلى مجلس دیمقراطي حقیقي ذو تمثیلیة ومصداقیة حقة، ضد المكتسبات التي أتى بھا الدستور الجدید لفاتح یولیوز 2011. 

فالحوار ضروري ومحمود، لكن یجب أن یجري بین أطراف لھا مصداقیة، الشيء الذي یُفتقَد لدى المسؤولین الحالیین لمجلس الجالیة، الذین لھم واجب آخر ومستعجل، یكمن في الإسراع بتقدیم الحساب، ارتباطا بالمسؤولیة التي أخذوھا على عاتقھم في تسییر ناجح وشفاف للمجلس، الشيء الذي لم یحصل قط. 

في الختام، وبالنسبة للقیادة المقبلة للمجلس، فإن تطبیق مبدأ المناصفة في تعیین المسؤولین على المؤسسة، یفرض نفسه انطلاقاً من الدستور الجدید. ھناك العدید من النساء ضمن الجالیة وداخل المغرب اللواتي لھن كامل المؤھلات لیكن رئیسة أو كاتبة عامة أو مدیرة لمجلس الجالیة.



0 commentaires:

Enregistrer un commentaire

 
Top