سياسة الكيل بمكيالين و"وهم" فصل السلط بين مؤسسات الاتحاد 
المهدي السجاري (جريدة امساء) 
  • العجلاوي: الأمم المتحدة تعترف بإدارة المغرب للصحراء والمحكمة الأوروبية أصدرت قرارا مناقضا لمجلس الأمن 
  • بلكندوز: أوروبا لها سياسة أمنية في مجال الهجرة وتضغط على المغرب لتوقيع اتفاقيات تضر بصورته 
  • النشطاوي: قرار المحكمة يطرح سؤال فصل السلط بين القضاء الأوروبي والأجهزة المنتخبة ديمقراطيا
ازدواجية في الخطاب، وقصور في فهم قرارات مجلس الأمن الدولي حول نزاع الصحراء المغربية. هكذا يبدو القرار الأخير لمحكمة العدل الأوروبية التي أبعدت الأقاليم الجنوبية للمملكة المعنية بهذا النزاع المفتعل عن دائرة تطبيق اتفاق الصيد البحري، في خطوة تضرب في العمق العلاقات الاستراتيجية بين المملكة والاتحاد الذي تعيش مؤسساته تناقضا بين سياسات أجهزته.

لا يمكن فهم القرار الأخير للمحكمة دون الخوض في تفاصيل هذا الجوار الذي جعل المغرب يرتقي إلى شريك استراتيجي في إطار ما يسمى بالوضع المتقدم. هذا الوضع الذي فتح الباب أمام اتفاقيات وتعاون غير مسبوق بين الطرفين، خاصة في مجالات الفلاحة والصيد البحري والتعاون الأمني لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة السرية.

هذا القرار يأتي في وقت سبق للمغرب أن هدد بمراجعة جميع الاتفاقيات التي تجمعه بالاتحاد الأوروبي، وذلك في سياق الطعن في الاتفاق الفلاحي بين الطرفين المصادق عليه في 8 مارس 2012. لكن التوجه الأخير الصادر عن محكمة العدل الأوروبية يطرح أسئلة جدية حول هذا الخطاب "المزدوج" الذي يعتمده الاتحاد الأوروبي حفاظا على مصالحه الذاتية أولا. 

تنافر أم تبادل للأدوار؟
يكشف القرار الأخير نوعا من الازدواجية في خطاب مؤسسات الاتحاد الأوروبي. فمن جهة، اتخذت المحكمة قرارا يهم استثناء الصحراء المغربية من مجال تطبيق اتفاق الصيد البحري رغم أن حيثيات هذا القرار تكشف عن تجاهل عدد من المعطيات المرتبطة بالملف. ومن جهة ثانية، يخرج مسؤولو الاتحاد ليؤكدوا تشبثهم بالمغرب كشريك استراتيجي.

صحيح أن محكمة العدل الأوروبية تبقى جهاز قضائيا مستقلا داخل المنظومة الأوروبية، إلا أن التعاطي مع ملف من قبيل اتفاق الصيد البحري يبقى في نهاية المطاف إشكالا أوروبيا-أوروبيا. وإلا فإن عددا من الملفات، التي يحرص المغرب على التعاون فيها بشكل جدي مع الاتحاد الأوربي، تحتاج مراجعة من المملكة وعلى رأسها التعاون في مجال الهجرة حتى لا يتحمل المغرب لوحده وزرة سياسات أوروبية أصبحت قاب قوسين أو أدنى من بناء جدار برلين جديد على حدودها الجنوبية.

الموساوي العجلاوي، الخبير في ملف الصحراء والعلاقات الدولية، أوضح أن الاتحاد الأوروبي يشتغل عبر مجموعة من المؤسسات. فهناك المؤسسة التشريعية من خلال البرلمان الأوروبي، والمجلس الأوروبي الذي يشمل جميع دول الاتحاد، وهناك المفوضية الأوروبية التي تعتبر الجهاز التنفيذي للاتحاد. 

وأشار إلى أن محكمة العدل الأوروبية تمثل السلطة القضائية داخل الفضاء الأوروبي. وأكد في هذا السياق أن المغرب سبق أن قاطع اتصالاته مع سفارة الاتحاد الأوروبي بالرباط، على اعتبار أنهم لم يتحركوا بما فيه الكفاية وبأن المشكل هو أوروبي-أوروبي. والحال أنه بعد الاطلاع على القرار الأخير يتضح أن المفوضية الأوروبية تحركت.

وشدد العجلاوي على أنه لأول مرة، وقبيل إصدار القرار، قامت المفوضية الأوروبية في 31 يناير بالتوقيع بالأحرف الأولى على وثيقة تعزز الشراكة بين الطرفين على أساس الاتفاق الفلاحي، وبعد ذلك كان هناك تصريح مشترك حول القرار الأخير الذي يحمل مجموعة من تناقضات. ويرى العجلاوي أنه منذ سنة 2012 إلى 2018 تم اتخاذ مجموعة من القرارات المتناقضة والمتعارضة، والتي لا تأخذ قرارات مجلس الأمن بعين الاعتبار.

وأضاف: "عدم أخذ المحكمة الأوروبية بعين الاعتبار للقرارات الأممية الصادرة عن مجلس الأمن الدولي فيما يتعلق بملف الصحراء، جعلها تتخبط في سلسلة من القرارات ذات الطابع الأيديولوجي". ويوضح العجلاوي أن المحكمة تعتبر أن "المغرب ليس له نفوذ قانوني على الصحراء، في حين أن الأمم المتحدة تعترف بإدارة المغرب لهذا الإقليم المتنازع حوله والمغرب يعتبر أنه يمارس سيادته".

وذهب الخبير في معهد الدراسات الإفريقية إلى أن "المحكمة لم تأخذ بعين الاعتبار هذا المعطى، وهو الأمر الذي لم يتم الوقوف عنده بشكل كبير في الرد المغربي". ونبه إلى أن "التخوف المطروح من كون هذا القرار، ورغم أنه لم يلغ اتفاق الصيد البحري الذي سيستمر إلى يوليوز، إلا أنه يطلب من الاتحاد إدماج اسم الصحراء في الاتفاق". وأشار العجلاوي من أن "هناك توجها الآن نحو تجاوز هذه الثغرة القانونية التي يدخل منها أعداء الوحدة الترابية وإيجاد صيغة من الصيغ لتجاوز قرار المحكمة". 

الهجرة وضغوط الاتحاد
كل هذه التطورات تطرح السؤال حول مستقبل باقي أوجه التعاون، وماذا استفاد المغرب من هذه الشراكة مقارنة مع حجم استفاد دول الاتحاد. ولعل أبرز ملف يمكن طرحه هو المرتبط بمحاربة الهجرة السرية، حتى إن المغرب وصف في إحدى الفترات بـ"دركي أوروبا"، بالنظر إلى فعالية الإجراءات الأمنية التي تم وضعها في المناطق الشمالية من أجل الحد تدفق المهاجرين، لكن مقابل ماذا؟

لا تبدو استفادة المغرب كبيرة في هذا الملف، إن تم قياسها بالدور الذي لعبه في الحد من الهجرة الشرعية أو إن قورنت بالضغط الذي مارسته تركيا على الجانب الأوروبي ليضطر إلى الجلوس إلى طاولة الحوار من أجل التفاوض وفق منطق "رابح-رابح". كلفة هذه المفاوضات كانت ثقيلة بالنسبة للجانب الأوربي، فقد جرى الاتفاق سنة 2016 على تسريع صرف 3 مليارات يورو تعهد سابقا بدفعها، وتوفير ثلاثة مليارات أخرى بحلول سنة 2018.

ربما لم تكن للمحكمة الأوروبية تلك الجرأة لتوقف هذا الاتفاق، الذي تقرر بموجبه إبعاد اللاجئين الفارين من جحيم الحروب في تحد صارخ للقانون الدولي الإنساني، ومن ذلك اتفاقية سنة 1951 المتعلقة بوضع اللاجئين وبروتوكولها لعام 1967. وتشمل حقوق اللاجئين حمايتهم من العودة للمخاطر التي فروا منها، ووجوب استفادتهم من إجراءات اللجوء العادلة والفعالة، واحترام حقوقهم الإنسانية الأساسية، ومنها العيش بكرامة، ومساعدتهم على إيجاد حلول طويل الأمد. هذه الاتفاقية التي تؤكد على الدول تتحمل مسؤوليات تجاه اللاجئين على أراضيها أو على حدودها، وتساعدها في ذلك المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

وفي مقابل استفادة تركيا، يبدو أن المغرب لم ينجح في لعب ورقة الهجرة بالشكل المطلوب رغم أنه يوجد اليوم أمام تحد كبير في ضمان اندماج الآلاف من المهاجرين، الذين كانوا يرغبون للعبور إلى الضفة الأخرى من المتوسط. فبالعودة إلى بعض الاتفاقيات المبرمة بين الرباط والاتحاد في عز عمليات الهجرة السرية، يلاحظ أن الاتحاد نجح في فرض سياسات تقيدية على الهجرة الوافدة عليه من خارج دول الاتحاد، وهو ما جعل المملكة تواجه انتقادات داخلية وخارجية بشأن انتهاك حقوق المهاجرين، قبل أن يتم اتخاذ قرار سيادي يتعلق بالسياسة الجديدة للهجرة واللجوء.

عبد الكريم بلكندوز، الأستاذ الجامعي والخبير المتخصص في قضايا الهجرة، يرى أن المغرب اتخذ إجراءات متقدمة فيما يتعلق بتسوية الوضعية القانونية للمهاجرين، وهو قرار سيادي ولم يكن الهدف منه هو الحصول على الدعم المالي. وفي المقابل، فإن أوروبا لها سياسية أمنية أساسا بل إنها لازالت تحاول أن تدفع المغرب لتوقيع اتفاقية إعادة المهاجرين إلى المغرب «L’accord de réadmission».

ويوضح بلكندوز أن هذه الاتفاقية التي ترفضها الرباط تهم المغاربة الذي دخلوا دول الاتحاد بصفة غير قانونية أو أصبحوا في وضع غير قانوني، وأيضا المهاجرين الذين عبروا إلى أوربا انطلاقا من المغرب. وأضاف: "المغرب دائما رفض الجزء الثاني من الاتفاقية بشكل أساسي، على اعتبار أنه لا يمكن أن يرفض مواطنيه وإن كان يدافع على ضرورة احترام حقوقهم المكتسبة المرتبطة بالشغل والمجال الاجتماعي".

وسجل أن المغرب لطالما رفض مسألة إرجاع المهاجرين خاصة القادمين من جنوب الصحراء، وهي مسألة طرحت منذ سنة 2003 ووقعت ضغوط على المغرب مقابل الحصول على إعانات واتفاقات في مجموعة من المجالات، لكن المغرب لطالما رفض ذلك بالنظر إلى مجموعة من الأمور المرتبطة بالسياسة الاستراتيجية للرباط تجاه القارة الإفريقية، وأيضا ما يرتبط بالقضية الوطنية وغيرها.

ويرى بلكندوز أن السياسة الجديدة للمغرب تتطابق مع موقف الرفض الذي لطالما عبر عنه. وزاد قائلا: "بطبيعة الحال أوروبا تنظر بإيجاب لهذه السياسة لأنه كلما جرت تسوية أوضاع المهاجرين إلا وتقلص عدد من يصلون إلى أوروبا، لكن من جهة أخرى لازالت تطالب المغرب بتوقيع اتفاقيات تشكل تناقضا مع توجهاته الذي تؤكد على حقوق المهاجرين واحترام المواثيق الدولية، وهو الأمر سيضر بصورة المغرب".

وشدد بلكندوز على أن "ما يهم أوربا هو الجانب الأمني الصرف، ولا يتم الحديث عن تحسين وضعية المهاجرين الذين يوجدون في وضعية قانونية ويعانون من مشاكل السكن والشغل وغيرها، بل ينظرون فقط إلى ما يسمونه بالهجرة السرية أو غير الشرعية، وإن كان هذا المفهوم غير موجود"، لافتا إلى أنه "حتى المفاوضات التي كانت تتم مع أوروبا حول المهاجرين المغاربة توقفت منذ سنوات".

جدلية القانوني والسياسي
حرص الاتحاد الأوروبي على الدفاع عن مصالح، عبر مختلف المؤسسات التي تتقاسم الأدوار فيما بينها، يطرح سؤال الجدلية القائمة بين القانون والسياسي. فالحكم الأخير الصادر عن المحكمة الأوروبية انطلق من تحرك لجمعية لها موقف سياسي يعادي الوحدة الترابية للمغرب، لينتهي الأمر بـ"تخريجة قانونية" ضربت قرارات مجلس الأمن الدولي.

محمد النشطاوي، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة القاضي عياض بمراكش، اعتبر أن المادة 11 من اتفاقية الشراكة بين المغرب والاتحاد الأوربي المعنونة بمجال السريان أو منطقة التطبيق أي المنطقة التي سيسري عليها اتفاق الصيد البحري، تنص بشكل واضح على أن هذا الاتفاق يسري، فيما يتعلق بالمملكة المغربية، على مجالها الإقليمي وعلى المياه التي تسري عليها القوانين المغربية باعتبارها خاضعة لسلطتها القانونية.

ويوضح النشطاوي أن المادة الثانية من هذا الاتفاق توضح في نقطتها الأولى أن مفهوم منطقة الصيد البحري المغربية يجب أن يفهم لصالح هذا الاتفاق والبروتوكول المكمل له وكذا ملحقه، بأنه يحيل إلى المناطق الخاضعة لسيادة المغرب أو لسلطته القانونية، وباعتبار أن المغرب يدير هذه الأقاليم ويمارس صلاحياته الإدارية والقانونية في المنطقة، فلا مجال لإقصائها من أي اتفاق تجاري يكون المغرب طرفا فيه.

ويرى المتحدث ذاته أن القانون الدولي الذي تطالب المحكمة المغرب بالانصياع له وباحترام الحق في تقرير المصير، هو نفسه القانون الدولي الذي يحمي سيادة الدول ووحدتها الترابية، فإعلان مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول طبقا لميثاق الأمم المتحدة، هو الإعلان الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها 2625 (د - 25) المؤرخ 24 تشرين الأول/أكتوبر1970 والذي حظي بإجماع كل الدول.

ويضيف أن هذا الإعلان وان كان يدافع عن حق تقرير المصير، فإنه يؤكد بأنه يجب ألا يؤول ما سبق على أنه تصريح أو تشجيع بشأن إتيان أي عمل من شأنه أن يقطع، كليا أو جزئيا، أوصال السلامة الإقليمية أو الوحدة السياسية للدول ذات السيادة والمستقلة، والتي تتصرف بمقتضى مبدأ تساوي حقوق الشعوب وحقها في تقرير مصيرها، والتي لديها حكومة تمثل كل السكان الذين ينتمون لإقليمها من دون تمييز بسبب العرق أو المعتقد أو اللون. وترى اللجنة أن القانون الدولي لم يعترف بحق عام للشعوب في أن تعلن منفردة الانفصــال عن دولة ما. 

وأكد أستاذ العلاقات الدولية أن اللجنة الدولية للقضاء على التمييز العنصري أكدت سنة 1996 في توصيتها العامة الواحدة والعشرين بشأن الحق في تقرير المصير على هذه المقتضيات، معتبرة بأن تفتت الدول قد يضر بحماية حقوق الإنسان فضلا عن ضرره بالحفاظ على السلم والأمن.

ويوضح في هذا السياق أن قرار المحكمة ومعه بيان المدعي العام للمحكمة يطرحان مسألة غاية في الأهمية تتعلق بفصل السلط، إذ يتبادر للملاحظ حسب جان جاك نوير في مقال في موقع ميديا بارت "أن هناك شططا في استعمال السلطة من قبل القضاء الأوربي الذي يحاول الحلول محل الأجهزة والمؤسسات المنتخبة ديمقراطيا من قبل المواطن الأوربي لقيادة السياسة الأوربية". ويضيف: "إذا كنا مع مطالب المواطن الأوربي باسم فصل السلط بأن يترك القضاء لكي يعمل باستقلالية، فإن نفس الملاحظة يجب أن تسري على القضاة، وإلا سنكون أمام حكومة للقضاة". 

وشدد على أنه "يجب على القضاة أن يطبقوا نفس الأحكام ونفس المعايير على كل الدول التي تتعامل مع الاتحاد الأوربي، وان يعيدوا تقييم اتفاقيات التعاون مع الصين مادام مشكل التبت لازال قائما ومع اسبانيا رغم أنها عضو فيما يتعلق بمشكل كاطالونيا، ومع بريطانيا فيما يتعلق بتواجدها بإيرلندا الشمالية ومع روسيا فيما يتعلق بضمها لمنطقة القرم ولما لا مع الولايات المتحدة فيما يتعلق بمشكل الهنود الحمر". وخلص الخبير في العلاقات الدولية إلى أن قرار محكمة العدل لن يضعف موقف المغرب خلال المفاوضات المرتقبة مع الاتحاد الأوروبي لتجديد اتفاقية الصيد البحري، فهو في أرضه وبين أحضان أبنائه، كما أنه متمسك بشراكته مع الاتحاد الأوربي".

المهدي السجاري (جريدة امساء) 




0 commentaires:

Enregistrer un commentaire

 
Top