بين تعذر ممارسة "حق العودة" و"رفض التوطين"، لم يبق أمام الفلسطينيين في لبنان سوى سلوك طريق "الهجرة" أو بالأحرى، "التهجير" ... هذا ما تشف عنه نتائج تعداد نادر للمقيمين الفلسطينيين في لبنان الذي أجرته الحكومة اللبنانية مؤخراً، وأظهر أن عدد هؤلاء لا يزيد عن 174 ألفاً، بعد أن ظل الرقم المتداول في الأروقة اللبنانية يراوح حول النصف مليون، وغالباً وفقاً لقيود "الأونروا"، وأحياناً لاعتبارات سياسية معروفة.

والحقيقة أن أغلب التقديرات السكانية، تشير إلى أن تعداد الفلسطينيين في لبنان، كان يمكن أن يتجاور المليون لاجئاً، تأسيساً على معدلات النمو السكاني للفلسطينيين في الداخل والشتات، لكن موجات متعاقبة من الهجرة، هبطت بهذا العدد إلى أقل من 20 بالمائة، سيما مع تزايد وتائر الهجرة والتهجير التي أعقبت خروج منظمة التحرير من لبنان (1982) ومجزرة صبرا وشاتيلا في السنة ذاتها، وحروب المخيمات التي أعقبتها (1985 – 1988)، ولاحقاً ما جرى ويجري في مخيمات الشمال وبيروت وصيدا من محاولات لتحويل المخيمات إلى "معازل" أمنية بائسة، تضيق بسكانها، وتغلق في وجوه أجيالها الشابة، فرص العيش الكريم واللائق.

هاجس "التوطين" ظل يطارد النخب السياسية اللبنانية، وإن بأقدار متفاوتة، بالنظر للحساسية المعروفة للتركيبة السكانية اللبنانية، ولم تنفع تأكيدات الفلسطينيين، نخباً ورأياً عاماً، المتكررة على مدار السنين، حول رفضهم "التوطين" في خلق مناخات من الطمأنينة لدى القطاع العرض من الطبقة السياسية اللبنانية، إذ حتى بالنسبة لأكثر شرائح هذه الطبقة، تأييداً وحماسةً للقضية الفلسطينية، إلى أن اللبنانيين، كثير منهم على الأقل، شأنهم في ذلك شأن كثيرٍ من العرب، لم يجدوا تناقضاً بين "حب القضية" و"كره شعبها المقيم بين ظهراني هذه الشعوب"، وفي أحسن التقديرات، كان لسان حال الفئات الأكثر "شغفاً" بالقضية الفلسطينية يقول: "الله يسعدهم ويبعدهم"، وهذا ما حصل في واقع الحال.

وليس ثمة ما يشير إلى أن تضاؤل أعداد الفلسطينيين في لبنان، سوف يغير في مضمون ولهجة الخطاب اللبناني حيال من تبقى منهم على الأرض اللبنانية، بل العكس من ذلك تماماً، فقد أثبتت سياسات "التهجير" المتأسسة على فرض ظروف لا إنسانية على هذه المجموعة السكانية، إنها "ذات جدوى"، وأنه بنتيجتها قد تم الخلاص من مئات الألوف منهم، فلماذا لا تستمر حتى لا تجد المخيمات الفلسطينية الاثنتي عشرة، من يَعمرها من سكانه الأصليين.

والراهن أننا نكاد نصل إلى وضع كهذا، بعد أن تحولت المخيمات، خصوصاً في العاصمة بيروت، إلى مناطق جذب للاجئين جدد من جنسيات مختلفة، ولفقراء ومعدمين، يجدون فيها "ملاذاً" رخيصاً للعيش، فثمة أرقام تتحدث عن "ثلاثة أرباع" سكان صبرا وشاتيلا من غير الفلسطينيين، ونسب لا تقل كثيراً عن هذه النسبة في برج البراجنة، فيما قصة المخيمات التي "تنزاح" عن الوجود، فهي قديمة ومعروفة.

ولقد كان لافتاً في سياق ندوة فلسطينية التأمت مؤخراً في بيروت، حديث البعض عن "حركة شبابية" فلسطينية نشطة، وضعت لنفسها هدفاً وحيداً، هو فتح الباب أمام هجرة من تبقى من شبان المخيمات وشاباته، إلى دول المنافي واللجوء الجديدة، بعد أن قُطّعت سبل المستقبل والحياة الكريمة وتلاشت فرص التعليم والعمل وباتت "الاعتمادية" شبه تامة، على ما تقدمه الفصائل والجماعات الفاعلة في المخيمات، من رواتب "مخصصات" تقدم لهؤلاء الشبان، نظير انخراطهم في أنشطتها وفعالياتها.

وإذا كان مخيم عين الحلوة، عاصمة الشتات الفلسطينية، في لبنان، وأكبر المخيمات، يعاني ما يعاني من سطوة جماعات سلفية جهادية وإرهابية، فإن بقية المخيمات لا تعيش وضعاً أفضل بكثير ... حيث تتوزع عدة قوى النفوذ والسيطرة على سكانها ... من الجماعات الأصولية المتطرفة، إلى فصائل منظمة التحرير، وحركتي حماس والجهاد، فضلاً عن الامتدادات اللبنانية داخل "المخيم" من قبل القوى اللبنانية المتنافسة وأجهزتها الأمنية والعسكرية والمليشاوية وغيرها... الأمر الذي أسهم في تحويل "المخيم" إلى "بؤرة عدم استقرار"، وربما من ضمن سياسة تسعى في استكمال "التهجير"، عن قصد أو من دونه، طالما أن "الجميع" يريد أن تكون له "حصة" أو "عين" على المخيم.

ولا يبدو أن مقترحات وتوصيات لجنة الحوار اللبناني – الفلسطيني التي أنشأتها الحكومة اللبنانية لتقديم تصورات جديدة للتعامل مع هذا الملف، لا يبدو أنها تجد طريقها للترجمة والتنفيذ، فتعقيدات المشهد اللبناني وحساسياتها الداخلية، فضلاً عن تآكل كفاءة الإدارة العامة والجهاز الحكومي وانشغال لبنان واللبنانيين بقضاياً سياسية وأمنية ومعيشية ضاغطة، يحول دون بناء كثير من الرهانات على تحسن منتظر لأوضاع من تبقى من فلسطيني هذا البلد الشقيق.

كما أن منظمة التحرير الفلسطينية لا تبدي بدورها أية جدية، في معالجة ما يواجه هذا التجمع الفلسطيني من مشكلات، فحالة الانقسام الفلسطيني الداخلي، تلقي بظلالها عليه، وطرائق عمل المنظمة وأجهزتها المختصة لم تعد صالحة للتعامل مع التحديات الجديدة لهذا الجزء من الشعب الفلسطيني الذي حمل على اكتافه عبء الكفاح الفلسطيني المسلح من العام 1970 وحتى العام 1982، وقدم في سبيل ذلك القسط الأوفر من التضحيات.

عريب الرنتاوي




0 commentaires:

Enregistrer un commentaire

 
Top