تحول المغرب خلال السنوات الأخيرة، بالنسبة للمهاجرين، من بلد العبور إلى بلد استقبال وإقامة، فبعدما كان المغرب جسر عبور نحو أوروبا للعديد من المهاجرين القادمين من جنوب الصحراء، أصبح اليوم لهم بلدًا للاستقرار.

وبما أن المغرب دولة تلتزم باحترام حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليا حسب ما هو مقرر في الدستور، بالإضافة إلى التزاماتها الدولية في مجال الهجرة وحقوق المهاجرين، جعلها تضع سياسة جديدة يقودها الملك محمد السادس وتنفذها الجهات الحكومية بتعاون مع المنظمات العاملة في مجال الهجرة، تروم إلى تسوية أوضاع المهاجرين السريين المقيمين بالمغرب في سبيل إعادة إدماجهم وتمكينهم من حقوقهم الإنسانية سواء في العيش الكريم، أو الصحة، أو التعليم أو الشغل

فبفضل السياسة الجديدة للهجرة التي دعا إليها الملك محمد السادس منذ سنة 2013، وحسب إحصائيات وزارة الداخلية، عملت السلطات المغربية على تسوية وضعية آلاف المهاجرين السريين، وأغلبيتهم الساحقة من المهاجرين الأفارقة، و من المتوقع أن يرتفع العدد خلال السنوات القادمة، حيث تمكنت هذه الفئة من الحصول على بطاقة الإقامة، فأصبحت تعيش بالمغرب بشكل قانوني، و من الإستفادة من التعليم والتكوين المهني، و من الحصول على الحق في العلاج في المستشفيات، و الحق في السكن و العمل، و بالتالي لم تعد تفكر في العبور إلى الفردوس الأوروبي كما يقال .

إن السياسة الجديدة للمغرب في مجال الهجرة، بمثابة إستراتيجية إنسانية، تهدف إلى تعزيز حماية حقوق المهاجرين واللاجئين بالمغرب، مما جعلها تحرز على تنويه من لدن العديد من البلدان الإفريقية، التي أعربت عن دعمها وانخراطها الكامل في الدينامية التي أطلقها المغرب. كما حظيت بتقدير خاص من الاتحاد الأوروبي وقادة الأمم المتحدة (الأمين العام للأمم المتحدة والمفوضة السامية لحقوق الإنسان والمفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين).

كما أن هذه السياسة الرامية إلى تسوية وضعية المهاجرين الأفارقة الراغبين في الاستقرار بشكل نهائي في المغرب، هي سياسة حكيمة و رائدة، تمت من خلالها مراعاة المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان التي صادق عليها المغرب، والاعتراف بشكل ضمني بأهمية المهاجرين في تطوير الاقتصاد الوطني عبر اشتغالهم في مجموعة من المجالات الاقتصادية و انخراط البعض منهم في مشاريع استثمارية وترويج أموالهم بالمغرب.

ولذلك، يمكن الاعتراف بأن النموذج المغربي في مجال الهجرة، يعتبر خطوة جريئة، على مستوى تعزيز انخراط المغرب في العمل من أجل تقديم أجوبة هيكلية لإشكالية الهجرة، وفقا لمقاربة إنسانية تضع البعد الحقوقي في جوهر السياسية الوطنية، طبقا لمقتضيات الدستور والقانون الدولي والالتزامات الدولية للمغرب، و يندرج في إطار مسار استراتيجي حقيقي وضعه المغرب في إطار توجهه نحو تفعيل التعاون جنوب جنوب، وسيعزز علاقاته العريقة مع إفريقيا، وتأكيد التزامه الدائم من أجل التنمية و تعزيزالسلام والأمن، والنهوض بالعمل الإنساني في إفريقيا، كما توج ذلك بعودة المغرب إلى منظمة الاتحاد الإفريقي و إطلاق عدد من المشاريع الاقتصادية بدول افريقية.

لكن هذه السياسة الجديدة في مجال الهجرة، و إن كانت سياسة رائدة و ناجحة، ينبغي أن تكون معززة بقوانين حديثة للهجرة، علما بأن المغرب يتوفر على قانون أساسي و مهم في مجال الهجرة وهو القانون رقم 02 - 03، والذي مع الأسف كان يطغى عليه الهاجس الأمني بدل المقاربة التنموية . فالمغرب في حاجة إلى قانون مغربي جديد ينظم عملية الهجرة ويضبط إقامة الأجانب به.

فقانون سنة 2003 تحكم في وضعه الهاجس الأمني مما فوت عليه الأخذ بعين الاعتبار الجوانب الاجتماعية والثقافية والسياسية والإنسانية للمهاجرين أو للمقيمين الأجانب، كما أن هذا القانون صدر فقط لإرضاء أطراف أجنبية، وعلى قائمتها إسبانيا ودول الاتحاد الأوروبي، لجعل المغرب الدركي الموكول له مهمة مراقبة الحدود المغربية – الأوروبية.

و نظرا لتزايُد أعداد المهاجرين الوافدين على المغرب، خاصّة من دول جنوب الصحراء، و اتخاذ السلطات المغربية مجموعة من الاجراءات والمبادرات المهمة في مجال تسوية الوضعية القانونية للمهاجرين، فإن الحكومة أصبحت ملزمة بسنّ نصوص تشريعية و تنظيمية، من أجل تفادِي أيّة مشاكل قد تنجم عن تدفّق أعداد هائلة من المهاجرين في السنوات القادمة، بفضل الاستقرار الأمني و الاجتماعي و الاقتصادي الذي تنعم به بلادنا، على غرار ما حصل في بعض الدول الأوربية، مثل فرنسا و اسبانيا و بلجيكا و ألمانيا على سبيل المثال.

وهذه النصوص القانونية، التي ستشكل ترسانة تشريعية مهمة في مجال الهجرة واللجوء، لابد أن تحقق الملاءمة مع الاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق المهاجرين واللاجئين التي صادقت عليها المملكة المغربية، ومع المقتضيات الدستورية الجديدة، والالتزامات الدولية للمغرب المتعلقة باحترام حقوق الإنسان بشكل عام.

الدكتور/ خالد الشرقاوي السوني 
مدير مركز الرباط للدراسات السياسية والاستراتيجية





0 commentaires:

Enregistrer un commentaire

 
Top