تم مؤخرا، التوقيع على اتفاقية شراكة بين الوزارة المنتدبة لدى رئيس الحكومة المكلفة بالمغاربة المقيمين بالخارج ومؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج. وفي هذا الصدد، أصدرت الوزارة بيانا أعادت نشره وكالة المغرب العربي للإنباء وتم تعميمه على نطاق واسع في الصحافة الوطنية. عبد الكريم بلكندوز.

جريدة الخبر

تنسيق فعلي أم مجرد ترقيع وترميم ؟ 1/3

ونورد هنا النص الكامل للبيان : 

بيان مفعم بالثقة في النفس
"تأكيدا لعزم الوزارة المكلفة بالمغاربة المقيمين بالخارج ومؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج على ترسيخ التعاون بينهما، وقع الوزير السيد عبد اللطيف معزوز والرئيس المنتدب للمؤسسة السيد عمر عزيمان، يوم الأربعاء 21 نونبر 2012، اتفاق تنسيق وشراكة لخدمة المغاربة المقيمين بالخارج.

بموجب هذا الاتفاق، يلتزم الطرفان بالتشاور بشكل دائم فيما يتعلق بكافة الميادين التي تخص عملهما المشترك لفائدة المغاربة المقيمين بالخارج بهدف الوصول إلى تقاسم أمثل للأدوار، حسب القدرات العملية لكل طرف، وتحقيق التكامل على مستوى تدخلاتهما وتوحيد جهودهما ووسائلهما.

لتحقيق التنسيق المنشود، تحدث هيأة مشتركة تدعى "لجنة التنسيق الدائمة"، مكونة من الأطر العليا للطرفين وتجتمع على الأقل مرة كل ستة أشهر، مهمتها ضمان احترام مقتضيات هذا الاتفاق والقيام بدور التواصل بين الطرفين للاطلاع على الانجازات المحققة وكذا على الصعوبات المصادفة التي قد تتطلب تحكيما أو اتخاذ قرار ما.

للإشارة، يندرج هذا الاتفاق ضمن مجموعة من المبادرات هدفها تحقيق الانسجام بين المتدخلين وترشيد دورهما والتي يدخل من ضمنها تسوية وضعية مدرسي اللغة العربية لأبناء الجالية على دفعات والتنظيم المشترك لدورة 2013 من المخيمات الصيفية لفائدة أطفال المغاربة المقيمين بالخارج.

كما يسعى الطرفان لإدراج تدخلات كل واحد منهما ضمن رؤية استراتيجية موحدة حيث يشرفان، بمعية مجلس الجالية المغربية بالخارج والمعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية، على إنجاز استراتيجية وطنية تروم تعزيز التعاون بين كافة الأطراف وإرساء سياسة موحدة ورؤية وطنية واضحة للهجرة في أفق عام 2030.

ويؤكد الاتفاق الموقع الالتزام الذي تعهدت به الوزارة المكلفة بالمغاربة المقيمين بالخارج، وأدرجته ضمن خطة عمل الحكومة، بالعمل على تعزيز آليات التنسيق مع المؤسسات المكلفة بقضايا المغاربة المقيمين بالخارج من أجل نجاعة أكبر في التسيير وتحقيق حكامة أمثل في هذا الميدان." (انتهى البيان)

سنحاول في البداية فك رموز البيان أعلاه، الذي يتعلق باثنين من أهم المؤسسات المتدخلة في مجال الجالية المغربية بالخارج، إلى جانب مجلس الجالية المغربية بالخارج، ومؤسسة محمد الخامس للتضامن، وبنك العمل والعديد من الوزارات والأجهزة الأخرى، التي تملك كل منها صلاحيات معينة فيما يخص الجالية المغربية المقيمة بالخارج. 

وسنبدأ أولا بالخطوط العريضة للمهام والتطور الوظيفي لمؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج، كما سنتطرق لبعض المشاكل التي تواجهها حتى اليوم. 

تطور المؤسسة
تأسست مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج في يوليو 1990 بموجب القانون رقم 19.89 بظهير شريف رقم 1.90.79 الصادر في 13 يوليو 1990، والمنشور في الجريدة الرسمية عدد 4055 بتاريخ 18 يوليو 1990. وبموجب المادة 2 من القانون، تتكلف المؤسسة بتعزيز الروابط الأساسية التي تربط المواطنين المغاربة بالخارج بوطنهم، من خلال مساعدتهم كذلك على مواجهة صعوباتهم في بلدان المهجر وفي المغرب. ومع أن المؤسسة تزاول نشاطها في إطار التوجهات الحكومية، إلا أنها تتمتع بمرونة في التسيير وتتوفر على قدر من حرية التحرك حتى تتمكن من إنجاز مهمتها، طالما أنها لا تخضع للقيود الإدارية وتستطيع تكييف نشاطها مع قيود البلد المستضيف. 

وخلال السنوات الأولى من وجودها، كان الرئيس المنتدب للمؤسسة هو السلطة الحكومية المكلفة بوزارة الجالية المغربية المقيمة بالخارج، التي أحدثت مع الوزير رفيق الحداوي (أواخر يوليو 1990 حتى أواخر 2003)، ثم الوزير أحمد الوردي (من 2004 حتى أواخر فبراير 2005)، ونائب كاتب الدولة لدى وزير الشؤون الخارجية المكلف بالجالية المغربية بالخارج، لحسن كابون (مارس 2005 حتى صيف 2007). 

وبعد تعيين رئيس منتدب جديد للمؤسسة في صيف 2007، ليتم تنصيبه فيما بعد ضمن تراكم المسؤوليات في منصب وزير العدل، ثم رئيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، ثم سفيرا للمغرب في إسبانيا حتى أوائل عام 2010، وأخيرا منذ صيف 2011 إلى يومنا أيضا في منصب مستشار ملكي، صارت المؤسسة تتألف من "مرصد للهجرة" وست بنيات هي : التعاون والشراكة، التعليم، التبادل الثقافي، الرياضة والشباب، المساعدة الاجتماعية والوقاية، الدراسات والمساعدة القانونية، التواصل والترويج الاقتصادي. 

وبصرف النظر عن الجوانب الاقتصادية (حيث لا يقوم "بنك العمل" بأي شيء من الناحية العملية)، فإن الحصيلة إلى حدود نهاية 2012 بخصوص نشاط هذه الأقطاب ضعيفة جدا ولا تخضع للنقاش العام، خصوصا أنه (بمناسبة النقاش البرلماني السنوي حول قانون المالية، في الوقت الذي بلغ فيه دعم الدولة لميزانية 2013 ما يناهز 183,110 مليون درهم) ليست هناك أية معلومات حول السياسة والنشاط الذي تزاوله المؤسسة، بدعوى أن الوزير المكلف بالجالية ليس هو المسؤول عن إدارة المؤسسة. 

هذا في الوقت الذي نجد فيه أن المادة 6 من قانون 19/89 تفرض على الأمين العام للمؤسسة تحضير وعرض تقرير سنوي للجنة الإدارية بشأن أنشطة المؤسسة وتسييرها. والمادة نفسها تلزم الخازن العام للمؤسسة بعرض تقرير مالي سنوي أمام اللجنة الادارية. 

وعلى هذا الأساس (مثلما هو الحال مع مجلس الجالية المغربية بالخارج فيما يتعلق بالمستوى المالي)، أليس من الضروري أن يكون للبرلمان إمكانية ملموسة لمراقبة عمل المؤسسة ومعرفة الطريقة التي تُصرف بها منح الدولة للمؤسسة، التي يتم التصويت عليها سنويا من قبل غرفتي البرلمان، في إطار الميزانية القطاعية لوزارة المغاربة المقيمين بالخارج؟

انتهاك للقانون
بالإضافة إلى ذلك، لا يتم احترام القانون المنشئ للمؤسسة. فوفقا للمادة 5، تجتمع اللجنة الإدارية باستدعاء من المدير المنتدب كلما تطلب الامر بحسب احتياجات المؤسسة، وعلى الأقل مرة في كل موسم، أي مرتين في السنة. غير أنه منذ عام 2000، أي على مدى 12 عاما، لم ينعقد أي اجتماع لهذه اللجنة الإدارية، مثلما لو لم يكن هناك أي إجراء ينبغي اتخاذه، أو لم يكن هناك أي تقييم يتوجب إنجازه، ولا أي برنامج عمل قد وضع في هذا الإطار. 

أفلا يضر هذا الخرق للقانون بالشفافية والحكامة الرشيدة لقطاع المغاربة المقيمين بالخارج؟ ألا يساهم ذلك في الوقوع في خلل آخر خطير، بعرقلة النقاش والتنسيق في مجال سياسة الهجرة الوطنية من خلال الاجتماع الضروري للجنة الإدارية للمؤسسة، حيث يكون ممثلا فيها الفاعلون المؤسساتيون الرئيسيون المعنيون بملف متعدد الأبعاد كملف الجالية المغربية المقيمة بالخارج؟

غير أنه بدلا من التركيز على الأساسيات، عبر ضمان احترام المؤسسة للقانون الذي يقضي بانعقاد اجتماع اللجنة الإدارية على الأقل مرتين في السنة، فإن الوزير المكلف بالجالية المغربية بالخارج، الذي هو كذلك منتدب لدى رئيس الحكومة، يأخذ مسار التحايل والالتفاف على القانون، من خلال إنشائه مع المؤسسة لـ"لجنة تنسيق دائمة" تجتمع مرتين في السنة!!!

تنسيق فعلي أم مجرد ترقيع وترميم؟ 2/3

تدبير مالي تشوبه عيوب
في السنوات الأخيرة، ظهرت مشكلة مرتبطة بالتدبير المالي حيث بلغت قيمة المتأخرات (الديون) المتراكمة في نهاية 2012 ما يناهز 213 مليون درهم، وذلك بسبب عدم الأخذ في الاعتبار للحقوق المرتبطة بمهنة المعلمين المغاربة لتدريس اللغة العربية والثقافة المغربية في البلدان المستضيفة للجالية، علما بأن هؤلاء المعلمين تابعون إداريا للمؤسسة. وهذا ما ترتب عنه العديد من الوقفات الاحتجاجية التي قام بها المعنيون أمام عدد من القنصليات والسفارات المغربية بالخارج، وحتى أمام مبنى البرلمان بالرباط.

وفيما يخص السنة المالية 2011، كانت منحة المؤسسة، التي بلغت 150 مليون درهم، قد تم تعديلها بتمويل خاص بلغ 66 مليون درهم من قبل وزارة المالية، وذلك لسد العجز الذي يمتد على مدى ثلاث سنوات. غير أنه لتبرئة ومحو أية مسؤولية للمؤسسة أو مسؤوليات الحكومات المتعاقبة بشأن هذا الخلل الوظيفي، فقد فضل البيان إشراك الطرفين في عملية التنظيم، دون ذكر لاسم وزارة المالية !!! وفي ما يتعلق بـ"العملية المشتركة" للمخيمات الصيفية لصالح أطفال الجالية المقيمة بالخارج، فإن العدد صغير جدا ولا يتعدى 1240 طفل في عام 2012، فإن المؤسسة تستمر في التكلف بما مجموعه حوالي ألف طفل سنويا... معناه أن الوزارة لم تتكفل إلا بـ240 طفل.

إصلاح المؤسسة ما يزال ضروريا 
فيما يخص بنود النظام الأساسي للمؤسسة، فإن إصلاحها المعلن عنه منذ أبريل 1998 من قبل عبد الرحمان اليوسفي، حينما كان وزيرا أول في حكومة التناوب، أمام مجلس المستشارين خلال مناقشة البرنامج الحكومي، لم يحدث حتى الآن في أواخر عام 2012. 

وقد كان الالتزام العمومي كالتالي : "دفاعا عن المصالح المادية والمعنوية للمغاربة المقيمين في الخارج، وتطبيقا للتوجيهات الملكية السامية، سوف تعمل الحكومة على منح مؤسسة الحسن الثاني وضعا قانونيا جديدا يسمح لها بإنجاز مهمتها، في إطار تطبيق هذا الجانب الهام من البرنامج الحكومي."

وزيادة على الحاجة إلى إعادة تركيز المؤسسة لمهمتها، في ضوء التطور المؤسساتي للقطاع وضرورة تحريك أنشطته، في إطار سياسية وطنية شاملة، متسقة ومندمجة فيما يخص الجالية المغربية بالخارج، فإن المؤسسة ما تزال في حاجة لمراجعة القانون المنظم لها، الذي أصابته "الشيخوخة".. ويبقى أحد الأهداف هو إضفاء الطابع الديمقراطي على لجنتها الإدارية المكونة من 27 عضوا، بينهم 13 عضوا تختارهم الإدارة من ضمن اتحادات وداديات العمال والتجار المغاربة في الخارج (F.A.T.C. M.E). 

على هذا المستوى، لا يمكن الاتفاق مع الرئيس المنتدب للمؤسسة الذي قدر قبل وقت قصير من إنشاء مجلس الجالية المغربية بالخارج، في مقابلة مع موقع (wafin.be) في 17 سبتمبر 2007، بأن مسألة تمثيل الجالية المغربية المقيمة بالخارج داخل اللجنة الإدارية للمؤسسة سوف يتم إيجاد حل لها كالتالي: 

"إن مجلس الجالية المغربية بالخارج سيقضي بتقادم اللجنة الإدارية. هنا، سيكون بالتأكيد ممثلون للجالية المغربية. والمسألة سيتم حلها بصورة مرضية تماما من طرف هذا المجلس المستقبلي الذي سيمتص لجنة المؤسسة."

غير أن مجلس الجالية المغربية بالخارج ليس تمثيليا على الإطلاق. ولذلك، فإن دمقرطة اللجنة الإدارية للمؤسسة ما تزال مطروحة بإلحاح. أولا، تمثيل الجالية المغربية بالخارج داخل المؤسسة لا يمكن أن يقتصر على العمال والتجار، نظرا للتغيرات والتحولات العميقة التي شهدتها: تأنيث الجالية، ظهور أجيال جديدة، ووجوه جديدة من الأطر والفاعلين في مختلف المجالات، إنشاء مجرة من الجمعيات. وإلى جانب اتحادات "الوداديات" التي أدامت المحسوبية والفكر العشائري وثقافة الخنوع والبحث عن المصالح التي لا تمت بصلة للحس الجماعي، فإن هناك في الواقع العديد من الجمعيات الشبابية النشيطة للغاية، والمنظمات النسوية، وتجمعات أطر المهن الحرة، ومنتديات ذوي المهارات المختلفة، وجمعيات الباحثين، والمدافعين عن حقوق الإنسان، أو الجمعيات التي أخذت تتكاثر مثل جمعيات التنمية والتضامن، التي تتألف اليوم من العديد من الشبكات المغربية للمساعدة على تنمية البلاد في الموطن الأصلي، التي أنشأت مؤخرا نوعا من التآزر، في أعقاب الاجتماع الذي انعقد في طنجة بين 7 و9 ديسمبر 2012، تحت إطار "الأرضية الأوروبية المغربية للهجرة والتنمية والمواطنة والديموقراطية". 

لكننا لا نجد حتى الآن أي إشارة إلى أي مشروع قانون لإصلاح مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج، لا في مخطط العمل 2012-2016 الذي تقدم به الوزير المكلف بالمغاربة المقيمين بالخارج، ولا حتى في مشروع المخطط التشريعي للحكومة برسم الولاية التشريعية 2012-2016، لاسيما في سياق تفعيل الدستور الجديد.

ومع ذلك، ما تزال ضرورة هذا الإصلاح ملحة لدوافع أخرى أساسية، وهي رفع مستوى المشهد المسؤسسي وعقلنته، فيما يتعلق بالمجال الواسع للجالية المغربية بالخارج، لتجنب الازدواجيات في العمل ولتحقيق التآزر. 

أمام الأمر الواقع
قبل بدء أي تفكير عميق لمعرفة ما إذا كانت مؤسسة مثل مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين في الخارج، على سبيل المثال، يجب أن تبقى أم لا، وإذا ما كان ينبغي لرئاستها أن تعود أم لا إلى الوزير المكلف بالجالية المغربية في الخارج، فقد ظهر عنصر مهم تحول إلى أمر واقع. ويتعلق الأمر بالتصويت الذي جرى في صيف 2012 من قبل البرلمان على القانون العضوي 12-02 المرتبط بالتعيينات في المناصب العليا، وفقا للمادتين 42 و92 من دستور فاتح يوليو 2011، الذي أدخل تعديلا على التوازن بين السلط بوجه خاص. وهذا القانون العضوي الجديد، الذي نشر مرسومه في الجريدة الرسمية بتاريخ 15 أكتوبر 2012، يحدد من جهة لائحة المؤسسات والمنشآت الاستراتيجية التي ستتم تعيينات على رأسها في مجلس الوزراء من قبل الملك، على أساس اقتراح من رئيس الحكومة وبمبادرة من الوزير المختص، كما يحدد من جهة أخرى لائحة الوظائف العليا في الإدارات العمومية في مجلس الحكومة الذي يترأسه رئيس الحكومة. 

وفي هذا النص الجديد، تندرج مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج في لائحة المؤسسات العمومية الاستراتيجية، التي تكون سلطة تعيين مسؤوليها بيد مجلس الوزراء. وهذا يشير إلى عنصرين : الأول هو أن مؤسسة الحسن الثاني سوف يتم الاحتفاظ بها على الأرجح. والأمر الثاني، في سياق إعادة هيكلة الحقل المؤسسي المهتم بقضية الهجرة، فهو يتعلق بخيار مستبعد : وهو أن تصبح المؤسسة في المستقبل تحت إدارة الوزير المكلف بالمغاربة المقيمين بالخارج، حتى تحظى بالمزيد من وسائل العمل والتنسيق الضروري. غير أن ما هو وارد، في المقابل، هو أن يقوم الوزير باقتراح شخص آخر يقدمه رئيس الحكومة. 

تنسيق فعلي أم مجرد ترقيع وترميم؟ 3/3

أية استراتيجية ؟
أخيرا، نجد أن بيان الوزارة المكلفة بالمغاربة المقيمين بالخارج أخرج أسلحته الثقيلة، من خلال تسليطه الضوء على الدراسة المتعلقة باستراتيجية وطنية لملف الهجرة في أفق 2030، التي يتم إنجازها بشراكة مع الوزارة المكلفة بالجالية المغربية المقيمة بالخارج، ومؤسسة الحسن الثاني، ومجلس الجالية المغربية بالخارج، زيادة على المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية. 

لكن، إذا كانت الحاجة إلى استراتيجية وطنية حول الهجرة مسألة ملحة للغاية حتى يكون ثمة معنى لمختلف الإجراءات المتخذة في هذا المجال، وحتى تتم عقلنة تدخل مختلف الفاعلين المؤسساتيين، فإن شروط إنجاز هذه الدراسة والمنهجية المتبعة في المجال، تعيقها مجموعة من العيوب الرئيسية : 

أولا، نلاحظ أن تشكيل فريق الباحثين في الهجرة الذي كون بناء على رغبة المؤسسات الأربع، تم بطريقة تشوبها الطائفية والنبذ والاقصاء، خوفا من أي تحليل نقدي للسياسات المتبعة حتى الآن والاختلالات المؤسسات المكلفة بتدبير ملف الجالية المغربية المقيمة بالخارج، خاصة مجلس الجالية المغربية بالخارج، ومؤسسة الحسن الثاني، وبنك العمل، ووزارة المغاربة المقيمين بالخارج، فضلا عن وزارات ومؤسسات وهيئات أخرى كثيرة. وهكذا، فإن جميع الباحثين المغاربة (رجالا ونساء) من الذين كرسوا أنفسهم منذ وقت طويل لتتبع قضايا الجالية المغربية بالخارج، والذين يتوفرون على استقلالية في الرأي، تعرضوا للإقصاء بشكل منهجي، على الرغم من الرسالة المفتوحة التي وجهت في 10 غشت 2012 للوزير المكلف بالمغاربة المقيمين بالخارج، عبد اللطيف معزوز. 

ثانيا، نجد أن لجنة التسيير، فضلا عن لجنة التوجيه وتتبع الدراسة، تقومان بدور القاضي والأطراف في وقت واحد. إذ تضم ممثلين من جميع هاته المؤسسات اللتي تشكل بنفسها موضوع الدراسة (باستثناء المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية) من أجل تأهيلها في المستقبل. وعلى هذا الأساس، نظمت حلقة دراسية في 12 ديسمبر 2012 شارك فيها أعضاء لجنة التسيير (الوزير ومديرو المؤسسات الأخرى)، زيادة على أعضاء لجنة التتبع، التي تتألف من مسؤولين على المؤسسات الأربع المعنية. 

ثالثا، نلاحظ أن "الاستراتيجية الوطنية لصالح الجالية المغربية المقيمة بالخارج في أفق 2030 ونشرها في أفق 2022" أقصت تماما من حسبانها الأخذ بالاعتبار الهجرة الأجنبية في المغرب، لاسيما هجرة الأفارقة جنوب الصحراء. ومن هذا المنطلق، فإن ما تم اعتباره في مسألة الهجرة ليس عموم الهجرة المتعلقة بالمغرب، وإنما فقط جانب الهجرة إلى الخارج. 

رابعا، يبدو أن الرؤية المتعلقة بالهجرة في هذه الدراسة، التي أدرجها المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية تحت عنوان "التنافسية العالمية وتموقع المغرب داخل العولمة"، ما يزال يهيمن عليها الجانب المالي، التجاري والنفعي في الهجرة. وكما كان عليه الحال في سنوات الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، تسيطر النظرة التجارية والوظيفية للهجرة على رؤية 2030، فهي تعتبر الهجرة "صناعة" وطنية مربحة موجهة للتصدير، بحيث يبقى أحد أبرز أهدافها هو إيجاد مجالات وبلدان أخرى جديدة لتصدير اليد العاملة المغربية إليها.. 

ولعل هذا الهدف يظهر في إحدى الوثائق التي قدمها الوزير معزوز خلال المناقشة البرلمانية في نونبر-ديسمبر 2012، في كل من مجلس النواب ومجلس المستشارين، بشأن مشروع ميزانية 2013 للوزارة المكلفة بالمغاربة المقيمين بالخارج. وهذا خير مثال على انعدام الثقة في مستقبل التنمية بالمغرب المقدم للشباب في أفق عام 2030، في وقت ينبغي فيه متابعة المشاريع الكبرى، والانطلاق الأشمل للجهوية الموسعة! 

وزارة المكلفة بالمغاربة المقيمين بالخارج أم وزارة التجارة الخارجية ؟
في مداخلة سابقة بتاريخ 26 يناير 2012، قدمت في إطار المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية، بعنوان "تأثير الأزمات على الهجرة المغربية"، اختار عبد اللطيف معزوز، الوزوير المكلف بالمغاربة المقيمين بالخارج، نظرة مستقبلية تروم تكثيف الهجرات من المغرب إلى الخارج، وذلك من خلال تنفيذ "آليات تسمح بالانتقال من هجرة مفروضة إلى تدبير استباقي لتدفقات المهاجرين من خلال تنويع مدروس للهجرة نحو مناطق النمو".

وأوضح الوزير موقفه بشكل ملموس. فبالنسبة للمستقبل وفي مواجهة الأزمة التي تعصف بالبلدان المتقدمة، يجعل منها فرصة لفتح "منافذ" على الخارج، وهي طريقة فعالة و"مسار مثير للاهتمام والاستكشاف" لأجل زيادة أعداد العمال المغاربة بالخارج :

إذ إن "الأزمة يمكنها أن تشجع على أشكال جديدة من الهجرة التي يتم تنظيمها بتدارس مع البلدان الأصلية : هجرة موسمية، هجرة مؤقتة، (وهذه) هجرة يشجع عليها الاتحاد الأوربي، لأنها لا تسمح بإبقاء المهاجر على الدوام في البلدان المضيفة (انظر الاتفاقيات الموقعة من قبل الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات بالمغرب)."

لكن، دون تجاهل مساهمة المهاجرين في العملة الصعبة، هل ينبغي التعامل مع الملف الاستراتيجي والمتعدد الأبعاد للجالية المغربية بالخارج بالطريقة نفسها التي يتم التعامل بها مع ملف تحت إشراف وزارة التجارة الخارجية، وهي الوزارة التي كانت تدار في الحكومة السابقة من قبل الوزير الحالي المكلف بالمغاربة المقيمين بالخارج؟

ولنتذكر كيف أن التشجيع على هجرة العمال بشكل مفرط إبان المخطط الخماسي المغربي (1973-1977) جعل من هذه الهجرة تصديرا لمنتوج صنع في المغرب : 

"لقد تبين أن تطوير الصادرات بات ضرورة حتمية وشرط من شروط الإقلاع الاقتصادي (...). وتطوير الصادرات لا تخص فقط القطاع الصناعي، وإنما كذلك القطاعات الأولى والثالثة. ففي نهاية المطاف، صارت هجرة العمال إلى الخارج واستقبال السياح بالمغرب تعادلان، من الناحية الاقتصادية، تصدير منتوج مصنوع في المغرب" (مجلد 1، ص.48). 

وهكذا، فإن المنهجية الواضحة من دراسة أفق 2030 لا تندرج في سياق رؤية مستقبلية فعلية على قدر التحديات التي تواجه الجالية المغربية بالخارج والرهانات التي يواجهها المغرب، وإنما هي رؤية ماضوية وتجارية صرفة. 

وباختصار، فإن اتفاق 21 نونبر 2012 بين الوزارة المنتدبة لدى رئيس الحكومة، المكلفة بالمغاربة المقيمين بالخارج ومؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج، كان أبعد عن المساهمة في تحقيق التماسك المطلوب في السياسات العمومية الموجهة نحو المواطنين المغاربة بالخارج، ولم يقم سوى بطمس المشاكل البنيوية المؤرقة. لهذا، فالاتفاق لا يعدو، في الحقيقة، أن يكون مجرد ترقيع وترميم.

عبد الكريم بلكندوز
أستاذ جامعي
باحث مختص في شؤون الهجرة




0 commentaires:

Enregistrer un commentaire

 
Top